وإنَّ هذه الحقائق الكونيَّة الثابتة المُحْكَمة، التي لا يعتريها شكٌّ، ولا يُدانيها ريبٌ في أنفسها، ولا في نتائجها التي تؤدِّي إليها بالسُّنن الحكيمة - واضحة أشدَّ الوضوح، لا تَخْفى إلاَّ على مَن قال اللهُ فيهم:"لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ" [الأعراف: 179] ؛ إذْ هم يُخادِعون أنفسهم عن تلك الحقائق في أنفسهم وفي الآفاق، بالأمانِيِّ الكاذبة التي يُمَنِّيهم إياها شياطينُ الجنِّ والإنس، فيُكابِرون ويكذِّبون صوت الحق الصَّريح في سُنَّة الله في الليل والنَّهار، والنوم واليقظة، والزُّروع والثِّمار، والزَّواج والأولاد، والجوع والشِّبَع، والرِّيِّ والظَّمأ، والصحة والمرض، وغير ذلك من كل الشُّؤون التي تجري في كل جوارحهم، وفي كلِّ شيء فيهم وفيما حولَهم على سَننٍ واضح، وحقائقَ ثابتة، فلا يزدادون إلاَّ خيبة وشقاءً على شقاء؛ لأنَّهم لا يزدادون به إلا كفورًا وعمًى وبَكَمًا وصممًا وتدسيسًا لأنفسهم في ظلمات الجهالات والكفر والفسوق والعصيان، وهم يحسبون أنَّهم يحسنون صُنعًا.
ارجع معي بعقلك السليم وفكْرِك المستنير بآيات الله الكونية العلمية إلى أول سورة الحجر، بل إلى القرآن كلِّه؛ فشأنها شأن القرآن الحكيم - تَجِدْ أنَّ السياق صريح في أنَّ قريشًا آمنَتْ برجحان عقل محمَّد بن عبدالله، وحصافة رأيه، واستقامة قوله وعمَلِه، ووثيق حكمته ورشدِه، وعظيم شفقته بِهم، ورحمته وبرِّه وبَذْلِه لَهم كلَّ ما يَمْلك من الإحسان القولِيِّ والعقلي والمالي، حتَّى ملك كلَّ قلوبِهم، وحلَّ منها بأحبِّ مكان وأعَزِّه، وكان - لذلك - لا يُدْعَى بينهم إلاَّ"الأمين"، وما كان محمد بن عبدالله يَجْري في كلِّ ذلك إلاَّ على الحق من سننِ ربِّه العليم الحكيم في نفسه وفي الناس حوله، وفي الأرض والسَّموات وما بينهما؛ إذْ عرَفَها وجهِلُوها، ورآها واضحةً في كلِّ شيء، وعَمُوا عنها، حتَّى في أنفسهم وفي آلهتهم من الموتى الرِّمَم، وما ينحتون لها بأيديهم من صُوَر وتَماثيل.