وتنفيذ الأمر بعدم الالتفات يقتضي أن يكون لوط في مُؤخّرة القوم ؛ ذلك أن الالتفاتَ يأخذ وَقْتاً ، ويُقلّل من سرعة مَنْ يلتفت ؛ كما أن الالتفاتَ إلى موقع انتمائهم من الأرض قد يُثير الحنين إلى مواقع التَّذكار وأرض المَنْشأ ، وكل ذلك قد يُعطّل حركة القوم جميعهم ؛ لذلك جاء الأمر الإلهي:
{وامضوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ} [الحجر: 65] .
أو: أن الحق سبحانه يريد ألاَّ يلتفت أحدٌ خَلْفه حتى لا يشهدَ العذاب ، أو مقدمة العذاب الذي يقع على القوم ، فتأخذه بهم شفقة .
ونحن نعلم قول الحق سبحانه في إقامة أيِّ حدِّ من الحدود التي أنزلها: {وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ الله} [النور: 2] .
فلو أن أحداً قد التفتَ إلى العذاب ، أو مُقدِّمة العذاب ؛ فقد يحِنّ إليهم ، أو يعطف عليهم رغم أن عذابهم بسبب ذنب كبير ، فقد ارتكبوا جريمة كبيرة ؛ ونعلم أن بشاعة الجريمة تبهت ؛ وقد يبقى في النفس عِظَم أَلَمِ العقوبة لحظة توقيعِها على المُجرم .
أو: أن الحق سبحانه يريد أن يعجل بالقوم الناجين قبل أنْ يوجد ، ولو التفزيع الذي هو مقدمة تعذيب القوم الذين كفروا من هَوْل هذا العذاب القادم .
وهكذا كان الأمر بالإسراء بالقوم الذين قرر الحق سبحانه نجاتهم ، والكيفية هي أن يكون الخروج في جزء من الليل ، وأنْ يتبعَ لوطٌ أدبارهم ، وألا يلتفتَ أحد من الناجين خَلْفه ؛ ليمضي هؤلاء الناجون حيث يأمرهم الحق سبحانه . وقيل: إن الجهة هي الشام .
ومن بعد ذلك يقول الحق سبحانه: {وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَلِكَ ...} .
وقوله الحق: {وَقَضَيْنَآ . .} [الحجر: 66] .
أي: أوحينا . وسبحانه تكلَّم من قَبْل عن الإنجاء للمؤمنين من آل لوط ؛ ثم تكلَّم عن عذاب الكافرين المنحرفين ؛ والأمر الذي قضى به الحق سبحانه أنْ يُبيدَ هؤلاء المنحرفين . وقَطْع الدَّابر هو الخَلْع من الجذور .