ووجهُه: أنه لَمَّا اجتمع نونان إحداهما للرفع، والأخرى نونُ الوقاية، استثقل اللفظ: فمنهم مَنْ أدغم، ومنهم مَنْ حذف. ثم اخْتُلِف في المحذوفة: هل هي في الأولى أو الثانية؟ وقد قدَّمْتُ دلائلَ كلِّ قولٍ مستوفاةً في سورةِ الأنعام. وقرأ ابن كثير بتشديدِها مكسورةً، أدغم الأولى في الثانية وحَذَف ياءَ الإِضافةِ. والحسن أثبت الياءَ مع تشديدِ النون. ويرجِّح قراءةَ مَنْ أثبت مفعولَ"تُبَشِّرون"وهو الياءُ قولُه: {قَالُواْ بَشَّرْنَاكَ} .
{قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ (55) }
و {بالحق} : متعلقٌ بالفعلِ قبله، ويَضْعُفُ أن يكون حالاً، أي: بَشَّرْناك ومعنا الحقُّ.
{قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ (56) }
قوله تعالى: {وَمَن يَقْنَطُ} : هذا الاستفهامُ معناه النفي؛ ولذلك وقع بعده الإِيجابُ ب"إلا". وقرأ أبو عمروٍ والكسائي"يَقْنِط"بكسرِ عينِ هذا المضارعِ حيث وقع، والباقون بفتحها، وزيدُ بن علي والأشهبُ بضمِّها. وفي الماضي لغتان: قَنِط بكسر النون، يَقْنَظ بفتحها، وقَنَط بفتحِها يَقْنِط بكسرِها، ولولا أنَّ القراءةَ سُنَّةٌ متبعةٌ لكان قياسُ مِنْ قرأ"يَقْنَطُ"بالفتح أن يقرأَ ماضيَه"قَنِط"بالكسر، لكنهم أَجْمعوا على فتحِه في قولِه تعالى في قوله: {مِن بَعْدِ مَا قَنَطُواْ} [الشورى: 28] . والفتحُ في الماضي هو الأكثر ولذلك أُجْمِعَ عليه. ويُرَجِّح قراءَة"يَقْنَطُ"بالفتح قراءةُ أبي عمروٍ في بعض الروايات {فَلاَ تَكُن مِّنَ القانطين} كفَرِح يَفْرَحُ فهو فَرِح. والقُنُوط: شدةُ اليأسِ من الخير. انتهى انتهى. {الدر المصون حـ 7 صـ 163 - 167}