وأنت خبير بأن ما يتوقف عليه وجودُه من الأمور الوجودية التي هي عللُه وشرائطُه وإن وجب كونُها متناهيةً لوجوب تناهي ما دخل تحت الوجود لكن الأمور العدميةَ التي لها دخلٌ في وجوده ليست كذلك إذ لا استحالةَ في أن يكون لشيء واحد موانعُ غيرُ متناهية، وإنما الاستحالة في دخولها تحت الوجود فارتفاعُ تلك الموانع التي لا تتناهى أعني بقاءَها على العدم مع إمكان وجودِها في أنفسها في كل آن من آنات وجودِه نعمٌ غيرُ متناهية حقيقة لا ادعاءً وكذا الحال في وجودات علله وشرائطِه القريبة والبعيدة ابتداءً وبقاءً وكذا في كمالاته التابعةِ لوجوده فاتضح أنه يَفيض عليه كلَّ آن نعمٌ لا تتناهى من وجوه شتى، فسبحانك سبحانك ما أعظمَ سلطانَك لا تلاحظك العيونُ بأنظارها ولا تطالعك العقولُ بأفكارها شأنُك لا يضاهى وإحسانُك لا يتناهى ونحن في معرفتك حائرون وفي إقامة مراسمِ شكرِك قاصرون نسألك الهدايةَ إلى مناهج معرفتِك والتوفيقَ لأداء حقوقِ نعمتك لا نحصي ثناءً عليك لا إله إلا أنت نستغفرك ونتوب إليك {إِنَّ الإنسان لَظَلُومٌ} يظلِم النعمةَ بإغفال شكرِها أو بوضعه إياها في غير موضعِها أو يظلم نفسَه بتعريضها للحرمان {كَفَّارٌ} شديدُ الكفران، وقيل: ظلومٌ في الشدة يشكو ويجزع، كفّارٌ في النعمة يجمع ويمنع، واللام في الإنسان للجنس ومصداقُ الحكمِ بالظلم والكفران بعضُ مَنْ وُجد فيه من أفراده ويدخُل في ذلك الذين بدلوا نعمة الله كفراً الخ دخولاً أولياً. انتهى انتهى. {تفسير أبي السعود حـ 5 صـ}