أَي ليس لهذه الشجرة الخبيثة من ثباث في الأَرض ولا استقرار، إِذ ليس لها أَصل ثابت ولا فرع صاعد، وكذلك الكافر لا خير فيه: لا يصعد له قول طيب ولا عمل صالح، إِذ ليس لهما عنده أَساس يبنيان عليه، فهذا وَجْهُ تشبيه الكافر بالشجرة الخبيثة.
27 - (يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ .. ) الآية.
أَي أَنه تعالى يثبِّت الذين صدقوا برسالة الأنبياءِ والمرسلين - يثبتهم على دينهم ويقينهم بسبب اعترافهم الثابت بتوحيد الله وطمأْنينتهم به، فلم تهزه الشكوك ولم يزلزله الإِيذاءُ أَو التشكيك؛ فيَظلُّون على ما هم عليه من اليقين الثابت في الحياة الدنيا، لا تزحزحهم عنه الشدائد والفتن، وإِن كانت كموج البحر أَو كقطع الليل المظلم!!
وإِليك أَيها القارئُ مثلين اثنين بما صنعه الكفرة الفجرة، في مُؤْمنى الأمم السابقة وفي المستضعفين من المؤمنين في هذه الأمة المحمدية، فثبتهم الله ولم يضعف لهم إِيمان.
(أ) أخرج البخاري بسنده في أعلام النبوّة أنه صلى الله عليه وسلم قال:"قَدْ كَانَ من قَبلِكُم يُؤْخَذُ الرَّجُلُ فَيُحفَرُ لَهُ في الأرْضِ فَيُجْعَلُ فِيهَا، ثُمَّ يُؤْتَى بالْمِنْشَار فَيُوضَع علَى رأسِهِ فَيُجْعَلُ نِصْفين، وَيُمشَطُ بأمشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ وَعَظْمِهِ، مَا يَصْرفُهُ ذَلِكَ عن دِينِه".
(ب) بلغ من تعنُّت قريش ووقوفهم في سبيل الدعوة المحمدية أَن أذاهم لم يكن مقصورًا على خاتم النبيين صلوات الله وسلامه عليهم، بل تعداه إلى المستضعفين والأرقاءِ الذين لم يكن لهم من يحتمون به أو يعتزون بعصبيته، فقد عذب أهل مكة الكثير منهم ليفتنوهم عن دينهم، ويردوهم من بعد إيمانهم كفارا فلم يفلحوا. ومن هؤلاء بلال بن رباح الحبشى، وعمار بن ياسر وأبوه وأمه، أَوقع بهم المشركون من العذاب ما لا طاقة لأحد به! وقصصُ تعذيب هؤلاءَ وغيرهم مشهورة في السيرة النبوية وفي التاريخ ... وكلها نماذج من الطراز الأول في قوة الإيمان، والثبات على الحق الذي ثبَّتهم الله عليه في هذه الحياة الدنيا.