ولما كان التجمع الإسلامي إنما يأكل في كل يوم من جسم التجمع الجاهلي ، في أول الأمر وهو في دور التكوين ، ثم بعد ذلك لا بد له من مواجهة التجمع الجاهلي لتسليم القيادة منه ، وإخراج الناس كافة من العبودية للعباد إلى العبودية لله وحده.. لما كانت هذه كلها حتميات لا بد منها متى سارت الدعوة الإسلامية في طريقها الصحيح ، فإن الجاهلية لا تطيق منذ البدء دعوة الإسلام.
.ومن هنا ندرك لماذا كانت مواجهة الجاهلية واحدة لدعوة الرسل الكرام!.. إنها مواجهة الدفاع عن النفس في وجه الاجتياح ؛ ومواجهة الدفاع عن الحاكمية المغتصبة وهي من خصائص الألوهية التي يغتصبها في الجاهلية العباد!
* وإذ كان هذا هو شعور الجاهلية بخطر الدعوة الإسلامية عليها ، فقد واجهت هذه الدعوة في معركة حياة أو موت ، لا هوادة فيها ولا هدنة ولا تعايش ولا سلام!.. إن الجاهلية لم تخدع نفسها في حقيقة المعركة ؛ وكذلك لم يخدع الرسل الكرام صلوات الله وسلامه عليهم أنفسهم ولا المؤمنين بهم في حقيقة المعركة..
{وقال الذين كفروا لرسلهم: لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا} ..
فهم لا يقبلون من الرسل والذين آمنوا معهم ، أن يتميزوا وينفصلوا بعقيدتهم وبقيادتهم وبتجمعهم الخاص. إنما يطلبون إليهم أن يعودوا في ملتهم ، ويندمجوا في تجمعهم ، ويذوبوا في هذا التجمع. أو أن يطردوهم بعيداً وينفوهم من أرضهم..
ولم يقبل الرسل الكرام أن يندمجوا في التجمع الجاهلي ، ولا أن يذوبوا فيه ، ولا أن يفقدوا شخصية تجمعهم الخاص.. هذا التجمع الذي يقوم على قاعدة أخرى غير القاعدة التي يقوم عليها التجمع الجاهلي.. ولم يقولوا كما يقول ناس ممن لا يدركون حقيقة الإسلام.. ولا حقيقة التركيب العضوي للمجتمعات: حسناً! فلنندمج في ملتهم كي نزاول دعوتنا ونخدم عقيدتنا من خلالهم!!!