هذا المشهد ينطوي على حقيقة ذاتية في أعمال الكفار. فالأعمال التي لا تقوم على قاعدة من الإيمان ، ولا تمسكها العروة الوثقى التي تصل العمل بالباعث ، وتصل الباعث بالله.. مفككة كالهباء والرماد ، لا قوام لها ولا نظام. فليس المعول عليه هو العمل ، ولكن باعث العمل. حركة آلية لا يفترق فيها الإنسان عن الآلة إلا بالباعث والقصد والغاية.
وهكذا يلتقي المشهد المصور مع الحقيقة العميقة ، وهو يؤدي المعنى في أسلوب مشوق موح مؤثر. ويلتقي معهما التعقيب:
{ذلك هو الضلال البعيد} ..
فهو تعقيب يتفق ظله مع ظل الرماد المتطاير في يوم عاصف.. إلى بعيد!!
ثم يلتقي مع مشهد الرماد المتطاير ظل آخر في الآية التالية ، التي يلتفت فيها السياق من مصائر المكذبين السابقين إلى المكذبين من قريش ، يهددهم بإذهابهم والإتيان بخلق جديد:
{ألم تر أن الله خلق السماوات والأرض بالحق. إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد. وما ذلك على الله بعزيز} ..
والانتقال من حديث الإيمان والكفر ، ومن قضية الرسل والجاهلية إلى مشهد السماوات والأرض.. هو انتقال طبيعي في المنهج القرآني..
إن بين فطرة الكائن الإنساني وبين هذا الكون لغة سرية مفهومة!.. إن فطرته تتلاقى مباشرة مع السر الكامن وراء هذا الكون بمجرد الاتجاه إليه والتقاط إيقاعاته ودلالاته!