{كل حين بإذن ربها} ، أي: بإرادته ، والحين في اللغة الوقت يطلق على القليل والكثير ، واختلفوا في مقدار هذا ، فقال مجاهد: الحين هنا سنة كاملة ؛ لأنّ النخلة تثمر في كل سنة مرّة. وقال قتادة: ستة أشهر يعني من حين طلعها إلى وقت صرامها. وقال الربيع: كل حين يعني كل غدوة وعشية ؛ لأنّ ثمر النخل يؤكل
ليلاً ونهاراً وصيفاً وشتاء ، فيؤكل منها الجمار والطلع والبلح والخلال والبسر والمنصف والرطب ، وبعد ذلك يؤكل التمر اليابس إلى حين الطري الرطب ، فأكلها دائم في كل وقت.
قال العلماء: ووجه الحكمة في تمثيل كلمة الإخلاص بالشجرة ؛ لأنّ الإيمان ثابت في قلب المؤمن كثبوت أصل هذه الشجرة في الأرض ، وعمله يصعد إلى السماء كما قال تعالى: {إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه} (فاطر ،)
فكذلك فرع هذه عال في السماء ، وتنال بركته وثوابه كل وقت ، والمؤمن كلما قال: لا إله إلا الله ، صعدت إلى السماء ، وجاءه بركتها وخيرها وثوابها ومنفعتها ؛ ولأنّ الشجرة لا تكون شجرة إلا بثلاثة أشياء عرق راسخ وأصل قائم ، وفرع عال ، كذلك الإيمان لا يتم إلا بثلاثة أشياء تصديق القلب ، وقول اللسان ، وعمل الأبدان ، ثم نبه تعالى على عظم هذا المثل ليقبل على تدبره ليعلم المراد منه فيلزم فقال: {ويضرب الله} ، أي: الذي له الإحاطة الكاملة {الأمثال للناس لعلهم يتذكرون} ، أي: يتعظون ، فإنّ في ضرب الأمثال زيادة إفهام ، وتذكير وتصوير للمعاني العقلية ، فيحصل الفهم التامّ والوصول إلى المطلوب. ولما ذكر مثل حال السعداء أتبعه بمثل حال الأعداء فقال:
{ومثل كلمة خبيثة} هي كلمة الكفر {كشجرة خبيثة} هي الحنظل وقيل: الثوم ، وقيل: الكشوث بمثلثة في آخره. قال الجوهري: نبت يتعلق بأغصان الشجر من غير أن يضرب بعرق في الأرض قال الشاعر:
*هي الكشوث لا أصل ولا ورق
** ولا نسيم ولا ظل ولا ثمر