بالمكان الذي فيه يضعها فعلم أن الفضائل الروحانية التي تكون سببًا لوضع الرسالة فيمن
تحقق تلك الفضائل فيه فضل منه تَعَالَى ومن عليه، ولهذا قال الْمُصَنّف وفيه دليل عَلَى أن
النبوة عطائية وأن الْكَمَالات الروحانية أَيْضًا فضل من الله تَعَالَى.
قوله: (أي ليس لنا الإتيان بالآيات ولا تستبد به استطاعتنا) ليس لنا أي لا قدرة لنا
كما قال ولا تستبد به أي لا [تستقل] به استطاعتنا ولو اكتفى بما قلنا فكان أولى.
قوله: (حتى يأتي بما اقترحتموه) إشَارَة إلَى أنه جواب لقولهم:(فأتونا بسلطان
مبين)وإلى ترجيح الْمَعْنَى الثاني فيه كون التأخير للتزييف غير مطرد.
قوله: (وإنما هُوَ أصل متعلق بمشيئة الله تَعَالَى فيخص كل نبي بنوع من الآيات) أي
المعجزات التي من جنس ما هُوَ الغالب عليهم فالمقصود ما صح به النبوة وثبت به الرسالة
آية معجزة كانت وقد ثبت رسالتنا بما أظهره الله تَعَالَى في أيدينا.
قوله: (فلنتوكل عليه في الصبر عَلَى معاندتكم ومعاداتكم) والنسخة التي عندنا بالياء
فلا وجه له؛ إذ الظَّاهر جمعه فقوله فلنتوكل بصيغَة المتكلم مع الغير تنبيهًا عَلَى أنهم قصدوا
أنفسهم، كَمَا صَرَّحَ به. قوله: في الصبر عَلَى معاندتكم هذا القيد من مقتضيات المقام ولو عمم
لكان له وجه.
قوله: (عمموا الأمر) فيه إشَارَة إلَى أن المتكلم داخل في أمره ما لم يقم قرينة عَلَى
خلافه وهنا كَذَلكَ بل قام قرينة عَلَى إرادته.
قوله: (لللإشعار بما يوجب التوكل) وهو الإيمان قال تَعَالَى:(وعلى اللَّه فتوكلوا إن
كنتم مُؤْمنينَ).
قوله: (وقصدوا به أنفسهم قصدًا أوليًا ألا ترى قوله:(وَما لَنا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ)
إذ مساق الْكَلَام لبيان حالهم عليهم السلام فلذلك قال الْمُصَنّف فلنتوكل
عليه في الصبر في توضيح معنى قوله: (وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المتوكلون) .
فليس القصد أمر غيرهم فقط كما يشعر به التَّعْبير بالْمُؤْمنينَ ألا ترى أن قوله:
قَوْلُه تَعَالَى: (وَما لَنا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدانا سُبُلَنا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلى مَا آذَيْتُمُونا
وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (12)
قوله: (وَما لَنا أَلَّا نَتَوَكَّلَ) فإن هذا الْقَوْل صريح في أن الْمُرَاد
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * *
قوله: فلنتوكل بالنون عَلَى صيغة نفس المتكلم مع الغير يريد أن أصل المقصود أمر لأنفسهم
بالتوكل عَلَى معاندة الْكُفَّار ومعاداتهم لكن عمموا الأمر بالتوكل بقوله:(وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ
الْمُتَوَكِّلُونَ)إشعارًا بموجب التوكل وهو الإيمان فإن الإيمان باللَّه وملائكته وكتبه
ورسله شأن الْمَوْصُوف به أن يتوكل عَلَى الله وحده لا عَلَى غيره دل عَلَى أن أصل المقصود أمر
أنفسهم بالتوكل قوله بعده: (وَما لَنا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ) .