{وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللهِ لا تُحْصُوها إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ} (34) [إبراهيم: 34] إن جعل هذا عاما مطردا؛ لزم أن كل من سأل شيئا من جميع الخلق يكون قد أوتيه أو أعطي منه، ولا أرى هذا بتحقيق، فالأشبه أنه عام أريد به الخاص، وهو ما شاء الله - عز وجل - إيتاءهم إياه، فالتقدير إذن: آتاكم من كل ما سألتموه مما شاء يؤتيكموه، وصار هذا من باب {بَلْ إِيّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ وَتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ} (41) [الأنعام: 41] مع عموم {وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إِذا دَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} (186) [البقرة: 186] ونحوه.
{وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللهِ لا تُحْصُوها إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ} (34) [إبراهيم: 34] هذا واضح ولو لم يكن إلا أن للإنسان/ [114 ب/م] حواس خمسا يدرك بها محسوساتها، وعليه بكل واحد منها نعمة، وهو لا يطيق إحصاءها، بل حس البصر وحده أو حس أيها شئت لا يطيق إحصاءه، وأنت تدرك ببصرك نجوم السماء؛ فعليك بإدراك كل نجم نعمة، فهل تحصي نجوم السماء، كلا، فالحمد لله عدد نعمه على جميع خلقه، ما بين الأزل والأبد حمدا يوافي نعمه، ويكافئ مزيده.
{وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اِجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاُجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ} (35) [إبراهيم: 35] يستدل به على ما سبق من أن عصمة الأنبياء - عليهم السّلام - إنما هي من وقوع الكفر، لا من جوازه عليهم، وإلا لم يكن لهذا الدعاء فائدة، ولم يصح كما لا يصح أن يقول: اجنبني أن أكون بشرا حجرا في حالة واحدة.
{رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (36) [إبراهيم: 36] أي: كن سبب ضلالهم، [وإلا] فالمضل لهم بالحقيقة، إما هم لأنفسهم على رأي المعتزلة، أو الله - عز وجل - على رأي الجمهور.