رؤيته"على هذا المعنى لا رؤية العين."
ونحن لا نخالفهم في هذا الموضع أنها ليست برؤية العين ، غير أن
الجمع بين هذه وبين حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جهل
غالب ، وغلط فاحش من وجوه:
فمنها: أن هذه الأشياء كلها مذكورة في الدنيا ، والرؤية في حديث
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الآخرة.
ومنها: أن هذه الأشياء لا تتصرف (ترى) فيها ، لأنها على معاني
المجاز والاستعارة في كلام العرب ، كما يقولون في إرادة الحائط قال اللَّه
تبارك وتعالى: (فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيد أَن يَنقَضَّ) ، ولا إرادة له
كإرادة الإنسان التي تتصرف ، لا يقال: ألم تر إلى صنيع زيد
بعمرو رؤية ، كما يقال في رؤية العين: رأيت الملك على سريره رؤية ،
ورأيت القمر أراه رؤية ، ولا يقال: رأيت الله محسنًا إليَّ رؤية ، ورأيته
حكم في كتابه بكذا ، ورأيته يأمر بقطع السارق ، وجلد الزاني رؤية.
قال زهير:
ألم تر أن الله أهلك تبعًا
وأهلك لقمان بن عاد وعاديًا
فلم يجز لأحد أن يصرف هذا من قول زهير ، وكان له أن يصرف
قوله: نظرت إليه نظرة فرأيته على كل حال مرة هو حامله. أي
نظرت إلى الفرس فرأيته يحمل الغلام على السهل ، ومرة على الجبل.
لأنه من رؤية العين.
ومنها: أن قوله - صلى الله عليه وسم -:"كما تَرون القمر"قد
قطع كل لُبسة أن الرؤية هي رؤية العين لا علم القلب ، إذ محال أن يقول
بصير: رأيت القمر وهو لايراه بعينه.
ولقد بلغني عن سفيه من سفهائهم أنه قال: معنى قوله - صلى الله
عليه وسلم -:"ترون ربكم كما ترون القمر لا تُضَامُون في رؤيته )) . أي"
تعرفون ربكم يوم القيامة اضطرارًا لا شك فيها كما أن معرفتكم للقمر في
الدنيا اضطرار لا شك فيه.
فتأويله: أترى الأنبياء وأصحابهم والمؤمنون كلهم لم يعرفوا الله في
الدنيا معرفة يقين لا شك فيها حتى يوافوا يوم القيامة فتزول شكوكهم