وقال: {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً}
والمعنى حينئذٍ: وفي ذلكم الإنجاء نعمة عظيمة واقعة لكم من ربكم.
وفي الكرخي:
فإن قيل: استحياء النساء كيف يكون ابتلاء؟
قلنا: كانوا يستخدمونهن بالاستعباد والإرقاق، ويفردونهن عن الأزواج، وذلك من أعظم المضار والابتلاء؛ إذ الهلاك أسهل من هذا. اهـ.
{وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (9) }
فإن قلت: إنهم قالوا: إنا كفرنا بما أرسلتم، فكيف يقولون ثانيًا: وإنا لفي شك، والشك دون الكفر، أو داخل فيه؟
قلتُ: إنهم لما صرحوا بكفرهم بالرسل، فكأنهم حصل لهم شبهة توجب
لهم الشك، فقالوا: إن لم ندع الجزم في كفرنا، فلا أقل من أن نكون شاكين مرتابين في ذلك.
أو يقال في الجواب: إنهم كانوا فرقتين: إحداهما جزمت بالكفر، والأخرى شكت.
أو يقال: المراد بقولهم إنا كفرنا بما أرسلتم به؛ أي: المعجزات والبينات، وقولهم: مما تدعوننا إليه: الإيمان والتوحيد.
وحاصله: أن كفرهم بالمعجزات وشكهم في التوحيد، فلا تخالف. اهـ. شيخنا.
{وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (12) }
فإن قلت: كيف كرر الأمر بالتوكل، وهل من فرق بين التوكلين؟
قلت: نعم، التوكل الأول فيه إشارة إلى استحداث التوكل، والتوكل الثاني فيه إشارة إلى السعي في التثبت على ما استحدثوا من توكلهم وإبقائه وإدامته، فحصل الفرق بين التوكلين.
والمعنى: فليثبت المتوكلون على ما أحدثوه من التوكل المسبب عن الإيمان، فالأول لإحداث التوكل، والثاني للثبات عليه، فلا تكرار.
وقيل معنى الأول: إن الذين يطلبون المعجزات يجب عليهم أن يتوكلوا في حصولها على الله سبحانه لا علينا، فإن شاء سبحانه أظهرها، وإن شاء لم يظهرها، ومعنى الثاني: إبداء التوكل على الله في دفع شر الكفار وسفاهتهم. اهـ."شوكاني".
(فائدة)
ومن لطائف هذه الآية الكريمة: ما روى المستغفري عن أبي ذر رفعه"إذا آذاك البرغوث فخذ قدحًا من ماء، واقرأ عليه سبع مرات: {وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ ...} الآية، ثم قل: إن كنتم مؤمنين فكفوا شركم وأذاكم عنا سبع مرات على الماء، ثم رشه حول فراشك، فإنك تبيت آمنًا من شرهم".