وَقَالَ الْقَاضِي: ذَكَرَ الْأَصَمُّ أَنَّ كَلِمَةَ (من) هاهنا تُفِيدُ التَّبْعِيضَ، وَالْمَعْنَى أَنَّكُمْ إِذَا تُبْتُمْ فَإِنَّهُ يَغْفِرُ لَكُمُ الذُّنُوبَ الَّتِي هِيَ مِنَ الْكَبَائِرِ، فَأَمَّا الَّتِي تَكُونُ مِنْ بَابِ الصَّغَائِرِ فَلَا حَاجَةَ إِلَى غُفْرَانِهَا لِأَنَّهَا فِي أَنْفُسِهَا مَغْفُورَةٌ، قَالَ الْقَاضِي: وَقَدْ أَبْعَدَ فِي هَذَا التَّأْوِيلِ، لِأَنَّ الْكُفَّارَ صَغَائِرُهُمْ كَكَبَائِرِهِمْ فِي أَنَّهَا لَا تُغْفَرُ إِلَّا بِالتَّوْبَةِ وَإِنَّمَا تَكُونُ الصَّغِيرَةُ مَغْفُورَةً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الْمُوَحِّدِينَ مِنْ حَيْثُ يَزِيدُ ثَوَابُهُمْ عَلَى عِقَابِهَا فَأَمَّا مَنْ لَا ثَوَابَ لَهُ أَصْلًا فَلَا يَكُونُ شَيْءٌ مِنْ ذُنُوبِهِ صَغِيرًا وَلَا يَكُونُ شَيْءٌ مِنْهَا مَغْفُورًا.
ثم قال وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ الْكَافِرَ قَدْ يَنْسَى بَعْضَ ذُنُوبِهِ فِي حَالِ تَوْبَتِهِ وَإِنَابَتِهِ فَلَا يَكُونُ الْمَغْفُورُ مِنْهَا إِلَّا مَا ذَكَرَهُ وَتَابَ مِنْهُ فَهَذَا جُمْلَةُ أَقْوَالِ النَّاسِ فِي هَذِهِ الْكَلِمَةِ.
* أَقُولُ هَذِهِ الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى قَدْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ مِنْ غَيْرِ تَوْبَةٍ فِي حَقِّ أَهْلِ الْإِيمَانِ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ قَالَ: (يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ) وَعَدَ بِغُفْرَانِ بَعْضِ الذُّنُوبِ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ اشْتِرَاطِ التَّوْبَةِ، فَوَجَبَ أَنْ يَغْفِرَ بَعْضَ الذُّنُوبِ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ التَّوْبَةِ وَذَلِكَ الْبَعْضُ لَيْسَ هُوَ الْكُفْرَ لِانْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى لَا يَغْفِرُ الْكُفْرَ إِلَّا بِالتَّوْبَةِ عَنْهُ وَالدُّخُولِ فِي الْإِيمَانِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْبَعْضُ الَّذِي يَغْفِرُ لَهُ مِنْ غَيْرِ التَّوْبَةِ هو ما عد الْكُفْرَ مِنَ الذُّنُوبِ.
«فَإِنْ قِيلَ» : لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ كَلِمَةُ (مِنْ) صِلَةٌ عَلَى مَا قَالَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ أَوْ نَقُولَ: الْمُرَادُ من البعض هاهنا هُوَ الْكُلُّ عَلَى مَا قَالَهُ الْوَاحِدِيُّ.