وَرَابِعُهَا: الْإِقْرَارُ بِوُجُودِ الْمَعَادِ فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ الْحَقُّ أَنَّهُ لَا مَعَادَ فَلَا ضَرَرَ فِي الْإِقْرَارِ بِوُجُودِهِ، لِأَنَّهُ لَا يَفُوتُ إِلَّا هَذِهِ اللَّذَّاتُ الْجُسْمَانِيَّةُ وَهِيَ حَقِيرَةٌ وَمَنْقُوصَةٌ وَإِنْ كَانَ الْحَقُّ هُوَ وُجُوبَ الْمَعَادِ فَفِي إِنْكَارِهِ أَعْظَمُ الْمَضَارِّ فَظَهَرَ أَنَّ الْإِقْرَارَ بِهَذِهِ الْمَقَامَاتِ أَحْوَطُ فَوَجَبَ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ، لِأَنَّ بَدِيهَةَ الْعَقْلِ حَاكِمَةٌ بِأَنَّهُ يَجِبُ دَفْعُ الضَّرَرِ عَنِ النَّفْسِ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ.
قَوْلُهُ: (يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ)
قَالَ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» : لَوْ قَالَ قَائِلٌ مَا مَعْنَى التَّبْعِيضِ فِي قَوْلِهِ (مِنْ ذُنُوبِكُمْ) ؟
ثُمَّ أَجَابَ فَقَالَ: مَا جَاءَ هَكَذَا إِلَّا فِي خِطَابِ الْكَافِرِينَ، كَقَوْلِهِ: (أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ) [نوح: 3، 4] .
(يَا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ) [الْأَحْقَافِ: 31]
وَقَالَ فِي خِطَابِ الْمُؤْمِنِينَ: (هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ) [الصَّفِّ: 10] إِلَى أَنْ قَالَ: (يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ) [آل عمران: 31] وَالِاسْتِقْرَاءُ يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَكَرْنَاهُ، ثم قال: وَكَأَنَّ ذَلِكَ لِلتَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْخِطَابَيْنِ، وَلِئَلَّا يُسَوَّى بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ فِي الْمَعَادِ.
وَقِيلَ: إِنَّهُ أَرَادَ أَنَّهُ يَغْفِرُ لَهُمْ مَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى بِخِلَافِ مَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْعِبَادِ مِنَ الْمَظَالِمِ.
هَذَا كَلَامُ هَذَا الرَّجُلِ.
وَقَالَ الْوَاحِدِيُّ فِي «الْبَسِيطِ» ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ (مِنْ) زَائِدَةٌ، وَأَنْكَرَ سِيبَوَيْهِ زِيَادَتَهَا فِي الْوَاجِبِ، وَإِذَا قُلْنَا إِنَّهَا لَيْسَتْ زَائِدَةً فَهَهُنَا وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أنه ذكر البعض هاهنا وَأُرِيدَ بِهِ الْجَمِيعُ تَوَسُّعًا.
وَالثَّانِي: أَنَّ (مِنْ) هاهنا لِلْبَدَلِ وَالْمَعْنَى لِتَكُونَ الْمَغْفِرَةُ بَدَلًا مِنَ الذُّنُوبِ فَدَخَلَتْ مِنْ لِتَضَمُّنِ الْمَغْفِرَةِ مَعْنَى الْبَدَلِ مِنَ السَّيِّئَةِ.