الثالث: أنهم خاطبوا كل رسول ومن آمن به فغلبوا في الخطاب الجماعة على الواحد، ونظير هذا السؤال ما سبق في سورة الأعراف من قوله تعالى: (أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا) [إبراهيم: 13] وفي سورة يوسف عليه السلام من قوله تعالى: (إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ) [يوسف: 37] الآية.
[510] فإن قيل: كيف طابق الجواب السؤال في قوله تعالى: (وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعاً فَقالَ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قالُوا لَوْ هَدانَا اللَّهُ لَهَدَيْناكُمْ) [إبراهيم: 21] .
قلنا: لما كان قول الضعفاء توبيخا وتقريعا وعتابا للذين استكبروا على استتباعهم إياهم واستغوائهم، أحالوا الذنب على الله تعالى في ضلالهم وإضلالهم، كما قالوا: لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا) [الأنعام: 148] ولَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ) [النحل: 35] يقولون ذلك في الآخرة كما كانوا يقولون في الدنيا، كما حكى الله تعالى عن المنافقين: يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ) [المجادلة: 18] الآية.
وقيل: معنى جوابهم: لو هدانا الله في الآخرة طريق النجاة من العذاب لهديناكم، أي لأغنينا عنكم وسلكنا بكم طريق النجاة كما سلكنا بكم طريق الهلكة في الدنيا.
[511] فإن قيل: كيف اتصل وارتبط قولهم: سَواءٌ عَلَيْنا أَجَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا) [إبراهيم: 21] بما قبله؟
قلنا: اتصاله به من حيث إن عتاب الضعفاء للذين استكبروا كان جزعا مما هم فيه وقلقا من ألم العذاب، فقال لهم رؤساؤهم: لَهَدَيْناكُمْ سَواءٌ عَلَيْنا أَجَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا ما لَنا مِنْ مَحِيصٍ) [إبراهيم: 21] يريدون أنفسهم وإياهم لاجتماعهم في عقاب الضلالة التي كانوا مجتمعين عليها في الدنيا، كأنهم قالوا للضعفاء: ما هذا الجزع والتوبيخ، ولا فائدة
فيه كما لا فائدة في الصبر، فإن الأمر أعظم من ذلك وأعم.
[512] فإن قيل: كيف قال تعالى: (وَقالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ) [إبراهيم: 22] عبر عنه بلفظ الماضي، وذلك القول من الشيطان لم يقع بعد وإنّما هو مترقب منتظر يقوله يوم القيامة؟