لسبب منفصل ، وإذا عقل ذلك فليعقل في اختصاصها بالمركز أيضاً ، ثم ذكر في تكون الجبال مباحث.
الأول: الحجر الكبير إنما يتكون لأن حراً عظيماً يصادف طيناً لزجاً إما دفعة أو على سبيل التدريج.
وأما الارتفاع فله سبب بالذات وسبب بالعرض ، أما الأول: فكما إذا نقلت الريح الفاعلة للزلزلة طائفة من الأرض وجعلتها تلا من التثلاث ، وأما الثاني: فأن يكون الطين بعد تحجره مختلف الأجزاء في الرخاوة والصلابة وتتفق مياه قوية الجري أو رياح عظيمة الهبوب فتحفر الأجزاء الرخوة وتبقى الصلبة ثم لا تزال السيول والرياح تؤثر في تلك الحفر إلى أن تغور غوراً شديد ويبقى ما تنحرف عنه شاهقاً ، والأشبه أن هذه المعمورة قد كانت في سالف الدهر مغمورة في البحار فحصل هناك الطين اللزج الكثير ثم حصل بعد الانكشاف وتكونت الجبال ، ومما يؤيد هذا الظن في كثير من الأحجار إذا كسرناها أجزاء الحيوانات المائية كالأصداف ثم لما حصلت الجبال وانتقلت البحار حصل الشهوق إما لأن السيول حفرت ما بين الجبال وإما لأن ما كان من هذه المنكشفات أقوى تحجراً وأصلب طينة إذا أنهد ما دونه بقي أرفع وأعلى ، إلا أن هذه أمور لا تتم في مدة تفي التواريخ بضبطها.
والثاني: سبب عروق الطين في الجبال يحتمل أن يكون من جهة ما تفتت منها وتترب وسالت عليه المياه ورطبته أو خلطت به طينها الجيد ، وأن يكون من جهة أن القديم من طين البحر غير متفق الجوهر منه ما يقوي تحجره ومنه ما يضعف ؛ وأن يكون من جهة أنه يعرض للبحر أن يفيض قليلاً قليلاً على سهل وجبل فيعرض للسهل أن يصير طيناً لزجاً مستعداً للتحجر القوي وللجبل أن يتفتت كما إذا نقعت آجرة وتراباً في الماء ثم عرضت الآجرة والطين على النار فإنه حينئذ تتفتت الآجرة ويبقى الطين متحجراً.