فلو أراد تعالى أن يجعلها مقدار المعمور المنتفع به لم يكن ذلك ممتنعاً ، فتحصل في قوله: مد الأرض ثلاث تأويلات بسطها بعد أن كانت مجتمعة ، واختصاصها بمقدار معين وجعل حجمها كبيراً لا يرى منتهاه.
والرواسي الثوابت ، ومنه قول الشاعر:
به خالدات ما يرمن وهامد ...
وأشعت أرسته الوليدة بالقهر
والمعنى: جبالاً رواسي ، وفواعل الوصف لا يطرد إلا في الإناث ، إلا أنّ جمع التكسير من المذكر الذي لا يعقل يجري مجرى جمع الإناث.
وأيضاً فقد غلب على الجبال وصفها بالرواسي ، وصارت الصفة تغني عن الموصوف ، فجمع جمع الاسم كحائط وحوائط وكاهل وكواهل.
وقيل: رواسي جمع راسية ، والهاء للمبالغة ، وهو وصف الجبل.
كانت الأرض مضطربة فثقلها الله بالجبال في أحيازها فزال اضطرابها ، والاستدلال بوجود الجبال على وجود الصانع القادر الحكيم.
قيل: من جهة أنّ طبيعة الأرض واحدة ، فحصول الجبل في بعض جوانبها دون بعض لا بد أن يكون بتخليق قادر حكيم ، ومن جهة ما يحصل منها من المعادن الجوهرية والرخامية وغيرها كالنفط والكبريت يكون الجبل واحداً في الطبع ، وتأثير الشمس واحد دليل على أنّ ذلك بتقدير قاد قاهر متعال عن مشابهة الممكنات ، ومن جهة تولد الأنهار منها.
قيل: وذلك لأنّ الجبل جسم صلب ، ويتصاعد بخاره من قعر الأرض إليه ويحتبس هناك ، فلا يزال يتكامل فيه فيحصل بسببه مياه كثيرة ، فلقوتها تشق وتخرج وتسيل على وجه الأرض ، ولهذا في أكثر الأمر إذا ذكر الله تعالى الجبال ذكر الأنهار كهذه الآية.
وكقوله: {وجعلنا فيها رواسي شامخات وأسقيناكم ماء فراتا} {وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وأنهاراً} فقال المفسرون: الأنهار المياه الجارية في الأرض.
وقال الكرماني: مسيل الماء ، وتقدم الكلام في الأنهار في أوائل سورة البقرة.
والظاهر أنّ قوله: من كل الثمرات متعلق بجعل.