وهكذا نعلم أنه سبحانه إمَّا أنه حمل السماء على أعمدة أدقّ وألطفَ من أن تراها أعيننا ؛ ولذلك نراها بغير أعمدة ، أو أنها مرفوعة بلا أعمدة على الإطلاق .
و"عَمَد"اسم جمع لا جمع ومفردها"عمود"أو"عِمَاد"وقد جاءتْ هذه الآية بمثابة التفسير لِمَا أُجمِل في قول الحق سبحانه في سورة يوسف: {وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي السماوات والأرض يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ} [يوسف: 105]
وجاء سبحانه هنا بالتفصيل ؛ فأوضح لنا أنه: {رَفَعَ السماوات بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ...} [الرعد: 2]
أي: لا ترونها أنتم بِحُكْم قانون إبصاركم . ولا تعجب من أنْ يوجد مخلوق لا تراه ؛ لأن العينَ وسيلة من وسائل الإدراك ، ولها قانون خاص ؛ فهي ترى أشياء ولا ترى أشياء أخرى .
هذا بدليل أنك إذا نظرتَ إلى إنسان طوله مِتْران يتحرك مُبْتعداً عنك ؛ تجد يَصْغُر تدريجياً إلى أن يتلاشى من مجال رؤيتك ؛ لكنه لا يتلاشى بالفعل .
وهذا معناه أن قانون إبصارك مَحْكوم بقانون ؛ له مدىً مُحدّد .
وهناك قوانين أخرى مثل: قانون السمع ؛ وقانون الجاذبية ؛ وقانون الكهرباء ؛ وكلها ظواهر نستفيد بآثارها ، ولكِنّا لا نراها ، فلا تعجب من أن يوجد شيء لا تدركه ؛ لأن قُوَى إدراكك لها قوانين خاصة .
ويشاء الحق سبحانه أن يُدلِّل على صدق ذلك بأن يجعل ما يكتشفه العلماء في الكون من أشياء وقُوىً لم تكُنْ معروفة من قبل ؛ ولكننا كنا نستفيد منها دون أن ندري ؛ مما يدلُّ على أن إدراك الإنسان غَيْرَ قادر على إدراك كل شيء .
وذلك يوضح لنا أن رؤيتنا للسماء مرفوعة بغير عَمَد نراها ؛ قد يعني وجود أعمدة مصنوعة بطريقة غير معروفة لنا ؛ أو هي مرفوعة بغير عَمَدٍ على الإطلاق .
وقول الحق سبحانه: {بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ...} [الرعد: 2]