فقد كان أَبَوا يوسف في موضع أقلّ ؛ ثم رفعهما يوسف إلى موضع أعلى مما كَانَا فيه ، فهل كانت السماء موضوعة في موضع أقلّ ؛ ثم رفعها الله؟ لا ، بل خلقها الله مرفوعة .
ورَحِم الله شيخنا عبد الجليل عيسى الذي قال:"لو قلت: سبحان الله الذي كبَّر الفيل ؛ فهل كان الفيل صغيراً ثم كبَّره الله ؛ أم خلقه كبيراً؟ لقد خلقه الله كبيراً . وإنْ قلت: سبحان الله الذي صغَّر البعوضة ؛ فهل كانت كبيرة ثم صَغَّرها الله؟ لا بل خلقها الله صغيرة".
وحين يقول سبحانه: {الله الذي رَفَعَ السماوات بِغَيْرِ عَمَدٍ ...} [الرعد: 2]
فهذا يعني أنه خلقها مرفوعة ، وفي العُرْف البشري نعرف أن مُقْتضى رَفْع أيِّ شيء أَنْ تُوجَد من تحته أعمدة ترفعه .
ولكن خلقَ الله يختلف ؛ فنحن نرى السماء مرفوعة على امتداد الأفق ؛ ويظهر لنا أن السماء تنطبق على الأرض ؛ ولكنها لا تنطبق بالفعل .
ولم نجد إنساناً يسير في أيِّ اتجاه ويصطدم بأعمدة أو بعمود واحد يُظَنُّ أنه من أعمدة رَفْع السماء ؛ وهي مَرْئية هكذا ؛ فهل هناك أعمدة غير مَرْئية ؛ أم لا توجد أعمدة أصلاً؟ .
وقد يكون وراء هذا الرَّفْع أمر آخر ؛ فقد قلنا: إن الشيء إذا رُفع ؛ فذلك بسبب وجود ما يُمسكه أو ما يَحْمله ؛ وسبحانه يقول في أمر رفع السماء: {... وَيُمْسِكُ السمآء أَن تَقَعَ عَلَى الأرض إِلاَّ بِإِذْنِهِ إِنَّ الله بالناس لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ} [الحج: 65]
فإذا كانت مَمْسُوكة من أعلى ؛ فهي لا تحتاج إلى عَمَد ، وقوله الحق: (يمسك) يعني أنه سبحانه قد وضع لها قوانينها الخاصة التي لم نعرفها بَعْدُ .
وقد قام العلماء المعاصرون بمَسْح الأرض والفضاء بواسطة الأقمار الصناعية وغيرها ، ولم يجدوا عَمَداً ترفع السماوات أو تُمْسِكها .
والمهندسون يتبارَوْنَ في عصرنا لِيرفعوا الأسْقُفَ بغير عَمَدٍ ؛ لكنهم حتى الآن ؛ ما زالوا يعتمدون على الحوائط الحاملة .