هو كلام خبري ، والمثل من حياتنا حين تقول لابنك:"أنا خارج إلى العمل ؛ وذاكر أنت دروسك"، وبذلك تكون قد أوضحت له:"ذاكر دروسك"وهذا كلام خبريّ ؛ لكن المراد به إنشائيّ .
وإبراز الكلام الإنشائي في مَقَام الكلام الخبري له مَلْحظ ، مثلما تقول:"فلان مات رحمه الله"وقولك"رحمه الله"كلام خبريّ ؛ فأنت تخبر أن الله قد رحمه .
على الرغم من أنك لا تدري: هل رحمه الله أم لا ؛ ولكنك قلت ذلك تفاؤلاً أن تكون الرحمةُ واقعة به ، وكان من الممكن أن تقول:"مات فلان يا ربي ارحمه"، وأنت بذلك تطلب له الرحمة .
كذلك قول الحق سبحانه: بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا .
أي: دَقِّقوا وأمعِنُوا النظر إليها ، وابحثوا فيما يعنيكم على ذلك إن استطعتم ، وإذا لفتَكَ المتكلم إلى شيء لِيُحرِّك فيك حواسَّ إدراكك فمعنى ذلك أنه واثقٌ من صَنْعته .
والمثل من حياتنا ولله المثل الأعلى ، وسبحانه مُنزَّه عن أن يكون له مثل حين تدخل لتشتري صُوفاً ؛ فيقدم لك البائع قماشاً ؛ فتسأله: هل هذا صوف مائة في المائة؟"فيقول لك البائع:"نعم إنه صوف مائة في المائة ، وهاتِ كبريتاً لنشعل فتلة منه لترى بنفسك"."
ويوضِّح الحق سبحانه هنا: أن السماوات مرفوعة بغير عَمَدٍ ، وانظروا أنتم ؛ بمَدِّ البصر ، ولن تجدوا أعمدة على هذا الامتداد ، وضمان عدم وجود أعمدة مُتحقِّق لك ولغيرك على مدى أفُق أيٍّ منكم .
ولكُلِّ إنسان أُفُقه الخاص على حسب قدرة بصره ، فهناك من تنطبق السماء على الأرض أمام عيونه ؛ فنقول له: أنت تحتاج إلى نظارة طبية تعالج هذا الأمر .
فالآفاق تختلف من إنسان إلى آخر ، وفي التعبير اليومي الشائع يقال:"فلان ضَيِّق الأفق لا يرى إلا ما تحت قدميْه".
ولقائل أن يقول: إن هذا يحدث معي ومع مَنْ يعيشون الآن ولا أحد يرى أعمدة ترفع السماوات ؛ فهل سيحدث ذلك مع من سيأتون مَنْ بعدنا؟