«فإنْ قلتَ» : أليس قد قال الله تبارك وتعالى في أول سورة الأنفال (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ) والوجل استشعار الخوف، وحصول الاضطراب وهو ضد الطمأنينة فكيف وصفهم بالوجل والطمأنينة، وهل يمكن الجمع بينهما في حال واحد؟
قلت: إنما يكون الوجل عند ذكر الوعيد والعقاب والطمأنينة، إنما تكون عند الوعد والثواب، فالقلوب توجل إذا ذكرت عدل الله وشدة حسابه وعقابه، وتطمئن إذا ذكرت فضل الله ورحمته وكرمه وإحسانه.
(وَمِنَ الْأَحْزابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ)
«فإنْ قلتَ» : إن الأحزاب من المشركين وغيرهم من أهل الكتاب ينكرون القرآن كله فكيف قال (ومن الأحزاب من ينكر بعضه) ؟
قلت: إن الأحزاب لا ينكرون القرآن بجملته لأنه قد ورد فيه آيات دالّات على توحيد الله وإثبات قدرته وعلمه وحكمته، وهم لا ينكرون ذلك أبدا.
والقول الثاني أن المراد بالكتاب التوراة والإنجيل، والمراد بأهله الذين أسلموا من اليهود والنصارى مثل عبد الله بن سلام وأصحابه ومن أسلم من النصارى، وهم ثمانون رجلا أربعون من نجران وثلاثون من الحبشة وعشرة ممن سواهم، فرحوا بالقرآن لكونهم آمنوا به وصدقوه، (ومن الأحزاب) يعني بقية أهل الكتاب من اليهود والنصارى وسائر المشركين من ينكر بعضه.