هذه الحكمة [14] ، ومن هذا الوصل الكريم، انتهت سورة يوسف بقول الله تبارك وتعالى في آخر آية منها:"لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُوْلِي الأَلْبَابِ"، وفي وسط هذه السورة وتعتبر آيةً من صلب السورة ومن هدفها:"أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ"، من ينتفع بمثل قصة يوسف؟ من يعتبر بها؟ أولوا الألباب، كما بينته سورة يوسف وتؤكده سورة الرعد بعدها، تكملة الآية الأخيرة:"لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى"القرآن الذي ذكر هذه القصة ما كان حديثاً يفترى ويختلق من عند الناس"مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ"، يؤمنون، وفي أول سورة الرعد في أول آياتها:"تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ"، ويقابل هذه الآية في أول الرعد ما في آخر سورة يوسف أيضاً من قول الله تعالى:"وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ"، وكأن السورتين متشابكتان، هذه تأخذ بتلك، وخاصةً أن السورتين مكيتان، فهذه مناسبةٌ أخرى، والجو هنا وهنا واحد، الحديث هنا وهنا عن التوحيد، وعن إثبات وجود الله عز وجل، وإثبات الرسالة كما أرسل الله يوسف أرسل غيره، وكما كان يعقوب كان سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وهكذا، فبين السورتين تواصلٌ عجيب، وتواصلٌ كريم، وكلّ سور القرآن كذلك، فتبدو كلها كعِقدٍ نظيمٍ في شكلٍ عظيمٍ كريم.