إذاً السورة تركز على الرسالة والرسول عليه الصلاة والسلام، نعم هي تتكلم عن أركان العقيدة، ولكن برز هذا العنصر بالذات، التفتت إليه السورة التفاتةً خاصة، وكأن السورة تشير إلى هذا المعنى، القرآن حق، القرآن المنزَّل من عند الله حقٌ وأحقيته واضحةٌ على سمع الزمان ومرآه، كما يسمع الرعد وما يصاحبه من البرق تراه العيون، لا يمكن أبداً لأحدٍ أن يُنكر إلا لعينٍ أصابها الرمد فلا ترى الأشياء على حقيقتها، أو أنفٌ أصابه الزكام فلا يميز بين الروائح والأشياء، إنما الإنسان العاقل الباقي على حسّه وذوقه فإنه يرى أحقيّة القرآن واضحةً جليةً، كان العرب قديماً رغم كفرهم وعنادهم كثيرٌ منهم كان بمجرد أن يسمع آيات من القرآن تؤثر فيه ويرى قدسية هذا الكلام، وأنه ليس من كلام البشر، الوليد بن المغيرة لعنة الله عليه بعثه قومه لمهارته في الشعر والكلام، هو في صناعة الكلام قديرٌ بين الناس، وليس في العرب مثله يومها فبعثوه ليتسمَّع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيستخرج من القرآن أشياء يطعن بها في القرآن، أخطاء يعني، أخطاء يشكك بها الناس المسلمين، ويصد بها الكافرين عن اتباع هذا الرسول الجديد عليه الصلاة والسلام، فذهب وألقى سمعه وألقى قلبه، واستمع إلى ما يقرأ النبي صلى الله عليه وسلم من القرآن، فعاد إلى قومه وقال: والله يا قوم إنكم لتعلمون أني أشعر العرب، يعني أعظمكم شعراً، ما فيكم شاعرٌ مثلي، وأنا أعلمكم بشعر الجن والإنس، وقصوا عن بعض الجن أشعاراً، كان الوليد يعلم كل ذلك، وماهراً في كل ذلك، ثم قال: والله ما يقول هذا القرآن بشر؛ إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة، لونٌ جميل، طلاءٌ عظيم، من الداخل كلامٌ مثبت محبك قوي محكم، ومن الخارج جميلٌ مطرب في الآذان والقلوب، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه يعلو ولا يعلى عليه [8] ، قالوا: حسبك ما تقول، ما بعثك قومك لهذا، أي ما بعثناك لتمدح فيه، أو لتقيِّم بحقٍّ، إنما بعثناك لتستخرج مطاعن تطعن بها فيه، قال: إذاً دعوني أفكر، المسألة تحتاج لتفكير وإعداد واسترجاع رأيٍ وما إلى ذلك فأنظرون، فيقول الله تعالى:"إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ"قدَّر ماذا سيقول، كيف يقلب هذا الحق