أي: أن الأطلال قائمة بما تحتويه من أحجار ورسوم ، مثل معابد قدماء المصريين ، وأنت حين تزورها لا تجد المعابد كلها سليمة ، بل تجد عموداً منتصباً ، وآخر مُلْقىً على الأرض ، وباباً غير سليم ، ولو كانت كلها حصيداً ؛ لاختفت تماماً ، ولكنها بقايا قائمة ، ومنها ما اندثر .
وهذا يثبت لنا صدق الأداء القرآني بأنه كانت هناك حضارات ، لأنها لو ذهبت كلها ؛ لما عرفنا أن هناك حضارات قد سبقت .
ثم يقول الحق سبحانه:
{أَلاَ بُعْداً لِّمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ} [هود: 95] .
وكلمة"ألا"كما عرفنا من قبل هي"أداة استفتاح"ليلتفت السامع وينصت ، فلا تأخذه غفلة عن الأمر المهم الذي يتكلم به المتكلم ، وليستقبل السامع الكلام كله استقبال المستفيد .
وكلمة"بُعْداً"ليست دعاءً على أهل مدين بالبعد ؛ لأنها هلكت بالفعل ، ومادة كلمة"بُعْداً"هي:"الباء"و"العين"و"الدال"وتستعمل استعمالين: مرة تريد منها الفراق ؛ والفراق بينونة إلى لقاء مظنون ، إما إذا كانت إلى بينونة متيقنة ألا تكون ، ولذلك جاء بعدها:
{كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ} [هود: 95] .
وهي تدل على أنه بعدٌ لا لقاء بعده إلا حين يجمع الحق سبحانه الناس يوم القيامة .
والشاعر يقول:
يَقُولُون لا تبعدْ وهُمْ يَدفِنُونَني ... وأينَ مَكَانُ البُعدِ إلا مَكانِيَا
فهذا هو البعد الذي يذهب إليه الإنسان ولا يعود .
ولما خَصَّ الحق سبحانه ثمود بالذكر هنا ، وقد سبق أن قال سبحانه عن أقوام آخرين:"ألا بعداً"؟
لأن الصيحة قد جاءت لثمود ، وبذلك اتفقوا في طريقة العذاب .
وتنتهي هنا قصة شعيب عليه السلام مع مدين ، ونلحظ أن لها مساساً برسلٍ مثل موسى عليه السلام ، مثلما كان لقوم لوط مساس بإبراهيم عليه السلام .