فعلى هذين القولين المراد بالصراط المستقيم: دين الإسلام، ومعناه: إنَّ ربي أمر بذلك، ودعا إلى ذلك؛ كما يقول الإنسان لمن دعا غيره إلى أمر: أنا على هذه الطريقة، ولهذا المعنى ذهب بعض أهل المعاني إلى إضمار في الآية، فقال: معناه: إن ربي على صراط مستقيم أو يحث أو يحملكم على الدعاء إليه. وقال بعضهم: هذا من باب حذف المضاف؛ على معنى أن أمر ربي وتدبيره لخلقه، على صراط مستقيم لا خلل فيه.
57 -وقوله تعالى: {فَإِنْ تَوَلَّوْا} ، أي إن تتولوا، بمعنى تعرضوا عما دعوتكم إليه من الإيمان بالله وعبادته {فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ} ، قال أبو إسحاق وابن الأنباري: معناه قد ثبتت الحجة عليكم، وأثبت فساد مذهبكم، فليس توليكم بعد هذا لتقصير في الإبلاغ، وإنما هو لسوء اختياركم في الإعراض عن النصح، وذهب مقاتل بن سليمان وجماعة معه أن {تَوَلَّوْا} هاهنا فعل ماض، بمعنى أعرضوا، ويكون المعنى على هذا: فإن أعرضوا فقل لهم قد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم.
وقوله تعالى: {وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ} ، قال ابن عباس: يريد ويخلق بعدكم من هو أطوع لله منكم {وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا} بتوليكم وإعراضكم إنما تضرون أنفسكم؛ لأن ضرر كفركم عائد عليكم.
وقوله: {إنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ} ، قال أكثر أهل المعاني: حفيظ لأعمال العباد حتى يجازيهم عليها، وقيل معناه: يحفظني عن أن تنالوني بسوء، وقيل: حفيظ على كل شيء ، يحفظه من الهلاك إذا شاء، ويهلكه إذا شاء.
58 -قوله تعالى: {وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا} ، أي بهلاك عاد {نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا} ، ذكر أبو إسحاق فيه وجهين:
أحدهما: أن يريد بالرحمة ما أراهم من الهدى والبيان الذي هو رحمة.
والثاني: أنه أراد لا ينجو أحد وإن اجتهد إلا برحمة منا.