وقال أبو علي: قوله: {أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ} على إعمال الثاني كما أن قوله تعالى: {آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا} [الكهف: 96] كذلك، والتقدير: أشهد الله أني بريء وأشهدوا الله أني بريء، فحذف الأول على حد ضربت وضربني زيد، وحذف حرف الجر مع أنّ؛ لأنه يقال: أشهد بكذا وعلى كذا ولكن حرف الجر يحذف مع (أن) و (أنّ) .
55 -وقوله تعالى: {فَكِيدُونِي جَمِيعًا} ، أي احتالوا أنتم وأوثانكم في عداوتي وغيظي وضربي، {ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ} لا تمهلون، في قول ابن عباس وقال الضحاك: لا تؤجلون.
قال أبو إسحاق وغيره من أهل المعاني: هذا من أعظم آيات الأنبياء أن يقبل النبي على قومه مع كثرة عددهم واجتماع كلمتهم على عداوته، فيقول لهم هذا القول، وهذا للثقة بنصر الله تعالى إياه، وأنهم لا يصلون إليه، وكذلك قال نوح لقومه: {فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ} إلى قوله: {وَلَا تُنْظِرُونِ} [يونس: 71] .
56 -قوله تعالى: {مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا} ، قال الليث: الناصية هي: قصاص الشعر في مقدمة الرأس، وقال الفراء: الناصية: مقدم الرأس.
قال الأزهري: الناصية عند العرب: منبت الشعر في مقدمة الرأس، ويسمى الشعر الثابت هناك: ناصية باسم منبته؛ يقال: نصوت الرجل أنصوه، إذا مددت ناصيته. وناصيته إذا جاذبته وأخذ كل واحد منكما بناصية صاحبه، ومنه قول عمرو بن معدي كرب:
أعباسُ لو كانت شيارًا جيادُنا ... بتثليثَ ما ناصيتَ بعدي الأحامسا
ومعنى {إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا} أي: هي في قبضته وتنالها بما شاء قدرته.