قال ابن الأنباري:"لما قال إلا هو آخذ بناصيتها كان في معنى لا تخرج عن قبضته"قاهر بعظيم سلطانه كل دابة فأتبع ذلك قوله: {إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} أي أنه على الحق قال وهذا نحو كلام العرب إذا وصفوا رجلا حسن السيرة والعدل والإنصاف قالوا فلان طريقه حسنة وليس ثم طريق وذكر في معنى الآية أقوال أخر هي من لوازم هذا المعنى وآثاره كقول بعضهم إن ربي يدل على صراط مستقيم فدلالته على الصراط من موجبات كونه في نفسه على صراط مستقيم فإن تلك الدلالة والتعريف من تمام رحمته وإحسانه وعدله وحكمته.
وقال بعضهم معناه لا يخفى عليه شيء ولا يعدل عنه هارب وقال بعضهم المعنى لا مسلك لأحد ولا طريق له إلا عليه كقوله: {إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ} وهذا المعنى حق ولكن كونه هو المراد بالآية ليس بالبين فإن الناس كلهم لا يسلكون الصراط المستقيم حتى يقال إنهم يصلون سلوكه إليه ولما أراد سبحانه هذا المعنى قال: {إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ} : {إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ} : {إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ} : {وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى}
وأما وصفه سبحانه بأنه على صراط مستقيم فهو كونه يقول الحق ويفعل الصواب فكلماته صدق وعدل كله صواب وخير والله يقول الحق وهو يهدي السبيل فلا يقول إلا ما يحمد عليه لكونه حقا وعدلا وصدقا وحكمة في نفسه وهذا معروف في كلام للعرب قال جرير يمدح عمر بن عبد العزيز:
أمير المؤمنين على صراط ... إذا اعوج الموارد مستقيم
وإذا عرف هذا فمن ضرورة كونه على صراط مستقيم أنه لا يفعل شيئا إلا بحكمة يحمد عليها وغاية هي أولى بالإرادة من غيرها فلا تخرج أفعاله عن الحكمة والمصلحة والإحسان والرحمة والعدل والصواب كما لا تخرج أقواله عن العدل والصدق. انتهى انتهى {مصباح التفاسير، لابن القيم} ...