ولم يلبثوا دون ان اتخذ كل منهم ما يهواه من إله فيما يتوهمه من الصورة والشكل، ومما يختاره من فلز أو خشب أو حجارة أو غير ذلك حتى روى أن بنى حنيفة من اليمامة اتخذوا لهم صنما من أقط ثم أصابهم جدب وشملهم الجوع فهجموا عليه فأكلوه.
وكان الرجل إذا وجد شجرة حسنة أو حجرا حسنا وهواه عبده، وكانوا يذبحون غنما أو ينحرون إبلا فيلطخونه بدمه فإذا أصاب مواشيهم داء جاءوا بها إليه فمسحوها به، وكانوا يتخذون كثيرا من الأشجار أربابا فيتبركون بها من غير أن يمسوها بقطع أو كسر ويتقربون إليها بالقرابين ويأتون إليها بالنذورات والهدايا.
وساقهم هذا الهرج إلى ان ذهبوا في أمر الأصنام مذاهب شتى لا يكاد يضبطها ضابط، ولا يحيط بها إحصاء غير أن الغالب في معتقداتهم انهم يتخذونها شفعاء يستشفعون بها إلى الله سبحانه ليجلب إليهم الخير ويدفع عنهم الشر، وربما أخذها بعض عامتهم معبودة لنفسها مستقلة بالألوهية من غير أن تكون شفعاء، وربما كانوا يتخذونها شفعاء ويقدمونها أو يفضلونها على الله سبحانه كما يحكيه القرآن في قوله تعالى: (فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم) الآية، الأنعام: 136.
وكان بعضهم يعبد الملائكة، وآخرون يعبدون الجن، وقوم يعبدون الكواكب الثابتة كشعري، وطائفة تتخذ بعض السيارات إلها - وقد أشير إلى جميع ذلك في الكتاب الإلهى - كل ذلك طمعا في خيرها أو خوفا من شرها.
وقل أن يتخذ إله من دون الله ولا يتخذ له صنم يتوجه إليه في العبادات به بل كانوا إذا اتخذوا شيئا من الأشياء إلها شفيعا عملوا له صنما من خشب أو حجر أو فلز، ومثلوا به ما يتوهمونه عليه من صورة الحياة فيسوونه في صورة إنسان أو حيوان وإن كان صاحب الصنم على غير الهيأة التي حكوه بها كالكواكب الثابتة والسيارة وإله العلم والحب والرزق والحرب ونحوها.