لما حدث هذا {قلنا: احمل فيها من كل زوجين اثنين ...} كأن نظام العملية كان يقتضي أن يؤمر نوح بمراحلها واحدة واحدة في حينها. فقد أمر أولاً بصنع الفلك فصنعه، ولم يذكر لنا السياق الغرض من صنعه، ولم يذكر أنه أطلع نوحاً على هذا الغرض كذلك. {حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور} .. أمر بالمرحلة التالية ..
{قلنا: احمل فيها من كل زوجين اثنين، وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن} ..
ومرة أخرى تتفرق الأقوال حول {من كل زوجين اثنين} وتشيع في الجو رائحة الإسرائيليات قوية. أما نحن فلا ندع الخيال يلعب بنا ويشتط حول النص: {احمل فيها من كل زوجين اثنين} .. مما يملك نوح أن يمسك وأن يستصحب من الأحياء. وما وراء ذلك خبط عشواء ..
{وأهلك إلا من سبق عليه القول} ..
أي من استحق عذاب الله حسب سنته.
{ومن آمن} ..
من غير أهلك.
{وما آمن معه إلا قليل} ..
{وقال: اركبوا فيها باسم الله مجريها ومرساها} ..
فنفذ الأمر وحشر من حشر وما حشر.
{وقال: اركبوا فيها باسم الله مجريها ومرساها} .. وهذا تعبير عن تسليمها للمشيئة في جريانها ورسوها، فهي في رعاية الله وحماه .. وماذا يملك البشر من أمر الفلك في اللجة الطاغية بله الطوفان؟!
ثم يأتي المشهد الهائل المرهوب: مشهد الطوفان:
{وهي تجري بهم في موج كالجبال، ونادى نوح ابنه وكان في معزل يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين، قال. سآوي إلى جبل يعصمني من الماء. قال: لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم. وحال بينهما الموج فكان من المغرقين} ..
إن الهول هنا هولان. هول في الطبيعة الصامته، وهول في النفس البشرية يلتقيان:
{وهي تجري بهم في موج كالجبال} ..
وفي هذه اللحظة الرهيبة الحاسمة يبصر نوح، فإذا أحد أبنائه في معزل عنهم وليس معهم، وتستيقظ في كيانه الأبوة الملهوفة، ويروح يهتف بالولد الشارد:
{يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين} ..