فليس عند هذا المحتج بيان أن آدم في ذلك الوقت كان قد أكرم بالنبوة فيهم بذلك احتجاجه، فلم يكن استكبار إبليس على الله أن لا يسجد لآدم إنما كان استكباره على الله - عز وجل - بأن ظلم الله تعالى وسفهه وأضاف إليه أنه يضع الأمر غير موضعه، فيقول له: اسجد لآدم، وهو خير منه، لأن يسجد آدم له أولى من أن يسجد لآدم.
فكان هنا علة كفره، والله أعلم.
فأما ما يدل على أن الخضوع لله من أركان الإيمان فهو أن الخضوع إنما يقتضي عن العلم بالحاجة إليه، وأن عنده ما به الحاجة، وأنه مالكه، والأمر فيه إليه إن شاء أعطى وإن شاء منع.
فلما كان اعتقاده هذه المعاني كلها إيماناً، كان ما ينشأ عنها من الذلة لله - عز وجل - إيماناً، لأنه لا ينشأ عن الإيمان ما ليس بإيمان.
فقد يجوز أن يقال إنما كان الخضوع لله - عز وجل - إيماناً، لأن ضده وهو الاستكبار عليه كفر، فإن هذا أصل ثابت، وإن لم يعتقد أصله نقضه إبليس.
وما كان كفراً كان خلافه إيماناً.
فإن قيل: إن قتل النبي كفر، أتقولون إن تركه حياً إيمان؟
قيل: ولا حياً من طريق الجري على العادة في ترك الناس أحياء لا يتعرض لهم ليس بعادة.
ولكن لو خطر بالقلب أنه لو فعله لكان له عند أعدائه جاه أو من أموالهم حظ، فلم يكن ذلك الحاصل من نفسه وترك أن يقتله لله عز وجل، ومحافظة على حق النبي - صلى الله عليه وسلّم - ، وما يلزمه من حبه وتعظيمه كان ذلك منه إيماناً.
ومعلوم أن القتل لا يقع من القليل عادة، وإنما يقع عن قصد يدعوه إليه، فكما أن إمضاء القصد الدافع إلى القتل لأجل سنة الداعي إليه كان كفراً عندنا، فقد قلنا أن تركه رداً للسبب الداعي إليه، وتقديماً لما كان أولى منه عليه إيمان.
وأما الخشوع فإنما ينشأ عن العلم بالقهر والسلطان، وأنه إن أراد بالعبد سوءاً لم يمنعه عنه مانع، فهو أيضاً إيمان، لأن العلم بما ذكرنا إيمان، والقرآن بين الخضوع والخشوع، وأن الخضوع من معاني الرغبة، والخشوع من معاني الرهبة وبالله التوفيق.
ومن التواضع أن رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - كان يجيب العبد ويعود المريض، ويركب الحمار.