هذا، ويلحظ أن تحدي القرآن للكفار بالإتيان بشيء مثل القرآن وتقريره الصريح والضمني بعجزهم عن ذلك قد توالى في السور الثلاث المتتابعة في النزول أي الإسراء ويونس وهود، وهذا، يعني أن موضوع الوحي القرآني كان من أهم مواضيع الجدل والمكابرة من قبل الكفار. وهذا مؤيد بكثرة ما حكاه القرآن من مواقف جدلهم ومكابرتهم إزاء القرآن. مما مرت منه أمثلة عديدة. والتحدي في الآية التي نحن في صددها قوي مفحم فالكفار يقولون إن القرآن مفترى وهذا يعني أن تقليده غير عسير، فليأتوا بعشر سور مفتريات منه إذا استطاعوا.
[سورة هود (11) : الآيات 15 إلى 16]
(مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها وَهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ(15) أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (16)
. (1) حبط: بمعنى بطل وذهب هدرا.
تعليق على آية مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها وَهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ
في الآيتين تقرير بأن الذين يتوخون بما قد يعملون سعادة الحياة الدنيا وزهرتها والتمتع بالجاه والثروة والسلامة فيها فقط فإنهم قد ينالون جزاء عملهم فيها دون بخس ولا نقص، ولكن أعمالهم هذه لن تنفعهم في الآخرة لأنها قد انحصرت في الدنيا وأغراضها واستهدفت النفع العاجل والجزاء السريع. فهي بالنسبة للاخرة باطلة معدومة الأثر ولن يكون لأصحابها إلّا النار لأنها لم تصدر عن إيمان بالله ورغبة في رضائه وتقواه وتنفيذ أوامره.
وواضح من فحوى الآيات وروحها أن الأعمال المذكورة فيها هي أعمال البر والخير التي يعملها بعض الناس ابتغاء للجزاء والذكر في الحياة الدنيا وحسب.
ولقد روى الطبرسي عن الجبائي أن المقصود بالذكر هم المنافقون الذين كانوا يغزون مع النبي صلى الله عليه وسلم للغنيمة دون نصرة الدين وليس من خلاف في مكية الآيات. ويكون هذا القول بناء ذلك من قبل التطبيق المتأخر.