ولقد توقف بعض المفسرين عند كلمة لِيَبْلُوَكُمْ لأن فيها معنى لا يتسق مع علم الله المحيط الأزلي الأبدي وخرجوها بأن ذلك على سبيل التمثيل والاستعارة والمجاز أو لتحقيق العلم الأزلي بالواقع العملي. أو ليمتاز صاحب العمل الحسن من صاحب العمل السيء وينال كل ما يستحقه حقا وعدلا. ومع وجاهة هذه التخريجات فالذي يتبادر لنا أن التعبير أسلوبي لمخاطبة الناس وبيان حكمة الخلق ولتنبيه الناس بأنهم تحت اختبار الله ورقابته ليلتزموا حدود ما رسمه الله من أوامر ونواه. وليس فيها إشكال يتحمل التوقف. والله تعالى أعلم.
[سورة هود (11) : الآيات 9 إلى 11]
(وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْناها مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُسٌ كَفُورٌ(9) وَلَئِنْ أَذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (10) إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (11)
. (1) النعماء: نعمة يظهر أثرها على صاحبها.
(2) الضراء: ضرّ وأذى يظهر أثرهما على صاحبهما.
وفي الآيات إشارة تنديدية إلى خلق فاش في سواد الناس وهو أن المرء إذا ناله ضيق وعسر وضر بعد سعة ويسر ورخاء يئس وكفر، وإذا ناله خير بعد شر ورخاء بعد عسر فرح وبطر وظن أنه قد أمن حوادث الدهر ومفاجات الأيام. وقد استثنى المؤمنون الصابرون الذين يعملون الصالحات من التنديد وقرر لهم على صبرهم مغفرة الله وأجره الكبير.
والآيات قد جاءت كما هو المتبادر معقبة على سابقاتها حيث انطوى فيها شرح حالة الكفار الذين كانوا السواد الأعظم من سامعي القرآن، والذين كانوا موضوع تنديد في الآيات السابقة بعد استثناء المؤمنين الصابرين الصالحين، وقد تكرر هذا في المناسبات المماثلة مما مرّ بعض أمثلته.