فلما أطال مجادلتهم قالوا له: {ياإِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَآ} ، أي: الجدال وإن كانت الرحمة ديدنك فلا فائدة فيه: {إِنَّهُ قَدْ جَآءَ أَمْرُ رَبَّكَ} ، أي: قضاؤه الأزلي بعذابهم وهو أعلم بحالهم {وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ} ، أي: لا سبيل إلى دفعه وردّه.
{هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ}
أي: أنظف فعلاً.
«فَإِنْ قِيلَ» : أفعل التفضيل يقتضي كون العمل الذي يطلبونه طاهراً ومعلوم أنه فاسد؛ لأنه لا طهارة في إتيان الرجال؟
أجيب: بأنَّ هذا جارٍ مجرى قوله تعالى: {أَذَلِكَ خَيْرٌ نُّزُلاً أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ} (الصافات: 62) ومعلوم أنَّ شجرة الزقوم لا خير فيها وكقوله صلى الله عليه وسلم «لما قالوا يوم أحد: اعل هبل قال: الله أعلى وأجل» .
ولا مماثلة بين الله تعالى والصنم وإنما هو كلام خرج مخرج المقابلة ولهذا نظائر كثيرة.
{وَياقَوْمِ أَوْفُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ}
أي: الكيل والوزن وآلتهما.
«فَإِنْ قِيلَ» : النهي عن النقصان أمر بالإيفاء فما فائدة قوله تعالى {وَأَوْفُواْ} ؟
أجيب: بأنهم نهوا أوّلاً عن القبيح الذي كانوا عليه من نقص المكيال والميزان؛ لأنّ في التصريح بالقبيح نفياً عن المنهي وتغييراً له، ثم ورد الأمر بالإيفاء الذي هو حسن في العقول مصرحاً بلفظه لزيادة ترغيب فيه وبعث عليه وجيء به مقيداً.