أجيب: بأنَّ ذلك كان بحسب الإجمال، وأمّا التفاصيل المذكورة فما كانت معلومة، أو بأنه صلى الله عليه وسلم كان أمّياً لم يقرأ الكتب المتقدّمة ولم يعلمها. وكذلك كانت أمته.
ثم قال تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم {فَاصْبِرْ} أي: أنت وقومك على أذى هؤلاء الكفار كما صبر نوح وقومه على أذى أولئك الكفار.
{إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ} الشرك والمعاصي وفي هذا تنبيه على أنَّ عاقبة الصبر لنبينا صلى الله عليه وسلم النصر والفرج، أي: السرور كما كان لنوح ولقومه.
«فَإِنْ قِيلَ» : هذه القصة ذكرت في يونس فما الحكمة والفائدة في إعادتها؟
أجيب: بأنَّ القصة الواحدة قد ينتفع بها من وجوه، ففي السورة الأولى كان الكفار يستعجلون نزول العذاب فذكر تعالى قصة نوح في بيان أنَّ قومه كانوا يكذبونه بسبب أنَّ العذاب ما كان يظهر ثم في العاقبة ظهر فكذا في واقعة محمد صلى الله عليه وسلم وفي هذه السورة ذكرت لأجل أنَّ الكفار كانوا يبالغون في الإيحاش فذكرها الله تعالى لبيان أنَّ إقدام الكفار على الإيذاء والإيحاش كان حاصلاً في زمان نوح عليه السلام، فلما صبر فاز وظفر، فكن يا محمد كذلك لتنال المقصود، ولما كان وجه الانتفاع بهذه القصة في كل سورة من وجه آخر لم يكن تكريرها خالياً عن الحكمة والفائدة.
{وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً}
«فَإِنْ قِيلَ» : إنه تعالى قال في ابن نوح إنه ليس من أهلك فبيّن أنَّ قرابة النسب لا تفيد إذا لم تحصل قرابة الدين، وهنا أثبت هذه الأخوة مع الاختلاف في الدين؟
أجيب: بأنَّ قوم محمد صلى الله عليه وسلم كانوا يستبعدون أن يكون رسولاً من عند الله تعالى مع أنه واحد من قبيلتهم، فذكر الله تعالى أنَّ هوداً كان واحداً من عاد، وأنّ صالحاً كان واحداً من ثمود لإزالة هذا الاستبعاد، ولما تقدّم أمر نوح عليه السلام مع قومه استشرف السامع إلى معرفة ما قال هود عليه السلام هل هو مثل قوله أولاً؟