وَحَكَى الْمَاوَرْدِيُّ أَنَّ الطَّرَفَ الْأَوَّلَ صَلَاةُ الصُّبْحِ بِاتِّفَاقٍ.
قُلْتُ: وَهَذَا الِاتِّفَاقُ يَنْقُصُهُ الْقَوْلُ الَّذِي قَبْلَهُ.
وَرَجَّحَ الطَّبَرِيُّ أَنَّ الطَّرَفَيْنِ الصُّبْحُ وَالْمَغْرِبُ، وَأَنَّهُ ظَاهِرٌ، قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَرُدَّ عَلَيْهِ بِأَنَّ الْمَغْرِبَ لَا تَدْخُلُ فِيهِ لِأَنَّهَا مِنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ.
قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَالْعَجَبُ مِنَ الطَّبَرِيِّ الَّذِي يَرَى أَنَّ طَرَفَيِ النَّهَارِ الصُّبْحُ وَالْمَغْرِبُ، وَهُمَا طَرَفَا اللَّيْلِ! فَقَلَبَ الْقَوْسَ رِكْوَةً، وَحَادَ عَنِ الْبُرْجَاسِ غَلْوَةً، قَالَ الطَّبَرِيُّ: وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ إِجْمَاعِ الْجَمِيعِ عَلَى أَنَّ أَحَدَ الطَّرَفَيْنِ الصُّبْحُ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الطَّرَفَ الْآخَرَ الْمَغْرِبُ، وَلَمْ يُجْمِعْ مَعَهُ عَلَى ذَلِكَ أحد.
قُلْتُ: هَذَا تَحَامُلٌ مِنَ ابْنِ الْعَرَبِيِّ فِي الرَّدِّ، وَأَنَّهُ لَمْ يُجْمِعْ مَعَهُ عَلَى ذَلِكَ أَحَدٌ، وَقَدْ ذَكَرْنَا عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّ الطَّرَفَ الْأَوَّلَ صَلَاةُ الصُّبْحِ، وَقَدْ وَقَعَ الِاتِّفَاقُ - إِلَّا مَنْ شَذَّ بِأَنَّ مَنْ أَكَلَ أَوْ جَامَعَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ مُتَعَمِّدًا أَنَّ يَوْمَهُ ذَلِكَ يَوْمُ فِطْرٍ، وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ، وَمَا ذَلِكَ إِلَّا وَمَا بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ مِنَ النَّهَارِ، فَدَلَّ عَلَى صِحَّةِ مَا قَالَهُ الطَّبَرِيُّ فِي الصُّبْحِ، وَتَبْقَى عَلَيْهِ الْمَغْرِبُ وَالرَّدُّ عَلَيْهِ فِيهِ مَا تَقَدَّمَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
* قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ)
أَيْ فِي زُلَفٍ مِنَ اللَّيْلِ، وَالزُّلَفُ السَّاعَاتُ الْقَرِيبَةُ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ، وَمِنْهُ سُمِّيَتِ الْمُزْدَلِفَةُ، لِأَنَّهَا مَنْزِلٌ بَعْدَ عَرَفَةَ بِقُرْبِ مَكَّةَ.
قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: الزُّلَفُ السَّاعَاتُ، وَاحِدُهَا زُلْفَةٌ.
وَقَالَ قَوْمٌ: الزُّلْفَةُ أَوَّلُ سَاعَةٍ مِنَ اللَّيْلِ بَعْدَ مَغِيبِ الشَّمْسِ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْمُرَادُ بِزُلَفِ اللَّيْلِ صَلَاةَ الْعَتَمَةِ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ.
وَقَالَ الْحَسَنُ: الْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ.
وَقِيلَ: الْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ وَالصُّبْحُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ.