وَقَالَتْ فِرْقَةٌ - مِنْهُمْ مُجَاهِدٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ - أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (بَناتِي) إِلَى النِّسَاءِ جُمْلَةً، إِذْ نَبِيُّ الْقَوْمِ أَبٌ لَهُمْ، وَيُقَوِّي هَذَا أَنَّ فِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وهو أب لهم) [الأحزاب: 6] .
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: إِنَّمَا كَانَ الْكَلَامُ مُدَافَعَةً وَلَمْ يُرِدْ إِمْضَاءَهُ، رُوِيَ هَذَا الْقَوْلُ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، كَمَا يُقَالُ لِمَنْ يُنْهَى عَنْ أَكْلِ مَالِ الْغَيْرِ: الْخِنْزِيرُ أَحَلُّ لَكَ مِنْ هَذَا.
وَقَالَ عِكْرِمَةُ: لَمْ يَعْرِضْ عَلَيْهِمْ بَنَاتِهِ وَلَا بَنَاتِ أُمَّتِهِ، وَإِنَّمَا قَالَ لَهُمْ هَذَا لِيَنْصَرِفُوا.
قَوْلُهُ تَعَالَى: (هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ)
ابْتِدَاءٌ وَخَبَرٌ، أَيْ أُزَوِّجُكُمُوهُنَّ، فَهُوَ أَطْهَرُ لَكُمْ مِمَّا تُرِيدُونَ، أَيْ أَحَلُّ.
وَالتَّطَهُّرُ التَّنَزُّهُ عَمَّا لَا يَحِلُّ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ رُؤَسَاؤُهُمْ خَطَبُوا بَنَاتِهِ فَلَمْ يُجِبْهُمْ، وَأَرَادَ ذَلِكَ الْيَوْمَ أَنْ يَفْدِيَ أَضْيَافَهُ بِبَنَاتِهِ.
وَلَيْسَ أَلِفُ (أَطْهَرُ) لِلتَّفْضِيلِ حَتَّى يُتَوَهَّمَ أَنَّ فِي نِكَاحِ الرِّجَالِ طَهَارَةً، بَلْ هُوَ كَقَوْلِكَ: اللَّهُ أَكْبَرُ وَأَعْلَى وَأَجَلُّ، وَإِنْ لم يكن تفضيل، وَهَذَا جَائِزٌ شَائِعٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، وَلَمْ يُكَابِرِ اللَّهَ تَعَالَى أَحَدٌ حَتَّى يَكُونَ اللَّهُ تَعَالَى أَكْبَرَ مِنْهُ.
وَقَدْ قَالَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ يَوْمَ أُحُدٍ: اعْلُ هُبَلُ اعْلُ هُبَلُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعُمَرَ: (قُلِ اللَّهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ) .
وَهُبَلُ لَمْ يَكُنْ قَطُّ عَالِيًا وَلَا جَلِيلًا.
قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي)
أَيْ لَا تُهِينُونِي وَلَا تُذِلُّونِي.
وَمِنْهُ قَوْلُ حَسَّانَ:
فَأَخْزَاكَ رَبِّي يَا عُتَيْبَ بْنَ مَالِكٍ ... وَلَقَّاكَ قَبْلَ الْمَوْتِ إِحْدَى الصَّوَاعِقِ
مَدَدْتَ يَمِينًا لِلنَّبِيِّ تَعَمُّدًا ... وَدَمَّيْتَ فَاهُ قُطِّعَتْ بِالْبَوَارِقِ
ويجوز أن يكون من الخزاية، وهو الحياء، وَالْخَجَلُ، قَالَ ذُو الرُّمَّةِ: