«فَإِنْ قِيلَ» : لِمَ قَالَ: (وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ) وَكَانَ الْوَاجِبُ أَنْ يُقَالَ بِبَعِيدِينَ؟
أَجَابَ عَنْهُ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» مِنْ وَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ: أن يكون التقدير ما إهلاكهم شيء بعيد.
والثَّانِي: أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُسَوَّى فِي قَرِيبٍ وَبَعِيدٍ وَكَثِيرٍ وَقَلِيلٍ بَيْنَ الْمُذَكَّرِ وَالْمُؤَنَّثِ لِوُرُودِهَا عَلَى زِنَةِ الْمَصَادِرِ الَّتِي هِيَ الصَّهِيلُ وَالنَّهِيقُ وَنَحْوُهُمَا.
قَولُهُ: (سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كاذِبٌ)
لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ لِمَ لَمْ يَقُلْ «فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ» ؟
وَالْجَوَابُ: إِدْخَالُ الْفَاءِ وَصْلُ ظَاهِرٍ بِحَرْفٍ مَوْضُوعٍ لِلْوَصْلِ، وَأَمَّا بِحَذْفِ الْفَاءِ فَإِنَّهُ يَجْعَلُهُ جَوَابًا عَنْ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ وَالتَّقْدِيرُ: أَنَّهُ لَمَّا قَالَ: (وَياقَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ) فَكَأَنَّهُمْ قَالُوا فَمَاذَا يَكُونُ بَعْدَ ذَلِكَ؟
فَقَالَ: (سَوْفَ تَعْلَمُونَ) فَظَهَرَ أن حذف حرف الفاء هاهنا أَكْمَلُ فِي بَابِ الْفَظَاعَةِ وَالتَّهْوِيلِ.
(يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ(98)
«فَإِنْ قِيلَ» : لِمَ لَمْ يَقُلْ: يَقْدُمُ قَوْمَهُ فَيُورِدُهُمُ النَّارَ؟
بَلْ قَالَ: (يَقْدُمُ قَوْمَهُ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ) بِلَفْظِ الْمَاضِي؟
قُلْنَا: لِأَنَّ الْمَاضِيَ قَدْ وَقَعَ وَدَخَلَ فِي الْوُجُودِ فَلَا سَبِيلَ أَلْبَتَّةَ إِلَى دَفْعِهِ، فَإِذَا عُبِّرَ عَنِ الْمُسْتَقْبَلِ بِلَفْظِ الْمَاضِي دَلَّ عَلَى غَايَةِ الْمُبَالَغَةِ.
ثُمَّ قَالَ: (وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ)
لَفْظُ «النَّارِ» مُؤَنَّثٌ، فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ: وَبِئْسَتِ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ إِلَّا أَنَّ لَفْظَ «الْوِرْدِ» مُذَكَّرٌ، فَكَانَ التَّذْكِيرُ وَالتَّأْنِيثُ جَائِزَيْنِ كَمَا تَقُولُ: نِعْمَ الْمَنْزِلُ دَارُكَ، وَنَعِمَتِ الْمَنْزِلُ دَارُكَ، فَمَنْ ذَكَّرَ غَلَّبَ الْمَنْزِلَ وَمَنْ أَنَّثَ بَنَى عَلَى تَأْنِيثِ الدَّارِ هَكَذَا قَالَهُ الْوَاحِدِيُّ.
(يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ(105)