الْوَجْهُ الثَّالِثُ: فِي الْجَوَابِ لَعَلَّ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ سَأَلَ عَنْ لَفْظِ ذَلِكَ الْأَمْرِ وَكَانَ ذَلِكَ الْأَمْرُ مَشْرُوطًا بِشَرْطٍ فَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّ ذَلِكَ الشَّرْطَ هَلْ حَصَلَ فِي ذَلِكَ الْقَوْمِ أَمْ لَا فَحَصَلَتِ الْمُجَادَلَةُ بِسَبَبِهِ، وَبِالْجُمْلَةِ نَرَى الْعُلَمَاءَ فِي زَمَانِنَا يُجَادِلُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا عِنْدَ التَّمَسُّكِ بِالنُّصُوصِ، وَذَلِكَ لَا يُوجِبُ القدح في واحد منها فكذا هاهنا.
(قالَ يَاقَوْمِ هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ(78)
فِيهِ قَوْلَانِ: قَالَ قَتَادَةُ: الْمُرَادُ بناته لصلبه.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الْمُرَادُ نِسَاءُ أُمَّتِهِ لِأَنَّهُنَّ فِي أَنْفُسِهِنَّ بَنَاتٌ وَلَهُنَّ إِضَافَةٌ إِلَيْهِ بِالْمُتَابَعَةِ وَقَبُولِ الدَّعْوَةِ.
قَالَ أَهْلُ النَّحْوِ: يَكْفِي فِي حُسْنِ الْإِضَافَةِ أَدْنَى سَبَبٍ، لِأَنَّهُ كَانَ نَبِيًّا لَهُمْ فَكَانَ كَالْأَبِ لَهُمْ.
قَالَ تَعَالَى: (وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ) [الْأَحْزَابِ: 6] وَهُوَ أَبٌ لَهُمْ. وَهَذَا الْقَوْلُ عِنْدِي هُوَ الْمُخْتَارُ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ إِقْدَامَ الْإِنْسَانِ عَلَى عَرْضِ بناته على الأوباش والفجار أمر مستبعدٌ لَا يَلِيقُ بِأَهْلِ الْمُرُوءَةِ فَكَيْفَ بِأَكَابِرِ الْأَنْبِيَاءِ؟
الثَّانِي: وَهُوَ أَنَّهُ قَالَ: (هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ) فَبَنَاتُهُ اللَّوَاتِي مِنْ صُلْبِهِ لَا تَكْفِي لِلْجَمْعِ الْعَظِيمِ.
أَمَّا نِسَاءُ أُمَّتِهِ فَفِيهِنَّ كِفَايَةٌ لِلْكُلِّ.