أن العذاب مصبحكم فلما كان جوف الليل ، خرج يونس من بين أظهرهم ، فلما أصبحوا تغشاهم العذاب ، فكان فوق رؤوسهم. قال ابن عباس: إن العذاب كان أهبط على قوم يونس ، حتى لم يكن بينهم وبينه إلا قدر ثلثي ميل ، فلما دعوا كشف اللّه عنهم ذلك ، وقال سعيد بن جبير: غشي قوم يونس العذاب كما يغشى الثوب القبر ، وقال وهب: عند ما غشيهم العذاب خرجوا بأطفالهم وبهائمهم ونسائهم إلى الصحراء ، ولبسوا المسوح ، وأعلنوا الإسلام والتوبة ، وكانوا صادقين ، فرحمهم ربهم ، واستجاب دعاءهم ، وكشف عنهم ما نزل بهم. فهذا من عظيم رحمة اللّه بعباده ، وأنه يقبل التوبة ويعفو عن السيئات ، ولا يصب سوط عذابه إلا على قوم لا يرجى إيمانهم.
-ورد في هذه الآية قوله تعالى فَلَوْ لا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ فقد وردت آراء حول (لولا) في هذه الآية ، وقد تكلم ابن هشام في هذا الموضوع فقال: وذكر الهروي أن لولا تكون نافية بمنزلة لم ، وجعل منه (لولا) الواردة في هذه الآية ، والظاهر أن المعنى على التوبيخ ، أي فهلّا كانت قرية واحدة من القرى المهلكة ثابت عن الكفر قبل مجي ء العذاب فنفعها ذلك ، وهو تفسير الأخفش والكسائي والفراء وعلي بن عيسى والنحاس ، ويؤيده قراءة أبيّ وعبد اللّه (فهلّا كانت) . ويلزم من هذا المعنى النفي ، لأن التوبيخ يقتضي عدم الوقوع ، وقد يتوهم أن الزمخشري قائل بأنها للنفي لقوله: والاستثناء منقطع بمعنى لكن ، ويجوز كونه متصلا والجملة في معنى النفي كأنه قيل:"ما آمنت"ولعله إنما أراد وما ذكرنا ، ولهذا قال: والجملة في معنى النفي ولم يقل:"ولولا للنفي"، وقد أجمعت السبعة (أي القراء) على النصب في (إلا قوم) فدل على أن الكلام موجب ، ولكن فيه رائحة غير الإيجاب ، كقول الأخطل:
وبالصريمة منزل منزل خلق عاف تغيّر إلا النؤي والوتد