أي: إن صبرت ، فقد يصبر خَصْمك أيضاً ، وهنا عليك أن تصابره ، وكلمة"اصبر"توضح أن دعاة منهج الحق سبحانه لا بد أن يتعرضوا لمتاعب ، وإلا ما كانت هناك ضرورة لأن يجيء ، فلو كان العالم مستقيم الحركة ، فما ضرورة المنهج إذن؟
ولكن المنهج قد جاء ؛ لأن الفساد قد عَمَّ الكون ، ويحتاج إلى إصلاح ، وإلى مواجهة المفسدين ، وهذا ما يرهق الداعين إلى الله تعالى ، وليُوطّن كل داعية نفسه على ذلك ، ما دام قد قام ليدعو إلى منهج الحق سبحانه وتعالى .
وكل داع إلى الله لا يصيبه أذى ، فهذا يُنقص من حظه في ميراث النبوة ؛ لأن الذي يأتي له الأذى هو الذي يأخذ حظاً من ميراث النبوة ، فالأذى لا يجيء إلا بمقدار خطورة الداعي إلى الله سبحانه على الفساد والمفسدين ، وهم الذين تجتمعون ضده .
ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"نضَّر الله أمرأ سمع مقالتي فوعاها وحفظها وبلَّغها ، فرُبَّ حامل فقه إلى مَنْ هو أفقه منه".
إذن: فنحن أمة محمد صلى الله عليه وسلم قد ورثنا منه البلاغ ، وورثنا منه الأسوة الحسنة:
{لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُواْ الله واليوم الآخر وَذَكَرَ الله كَثِيراً} [الأحزاب: 21] .
إذن: فقول الحق سبحانه وتعالى:
{واتبع مَا يوحى إِلَيْكَ} [يونس: 109] .
هو دليل على أن الوحي بصدد الإنزال ؛ لأن الوحي لم ينزل بالقرآن دَفْعة واحدة ، فقد كان الوحي ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم طوال حياته .
وهكذا تكون حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم هي مقام الاستقبال للوحي .
وقول الحق سبحانه:
{واصبر حتى يَحْكُمَ الله} [يونس: 109] .
يوضح لنا أنه سبحانه قد وضع حدّاً تؤمل فيه أن الأمر لن يظل صبراً ، وأن القضية ستُحسم من قريب بحكم من الله تعالى .