إن الحلقة التي تعرض هنا من قصة نوح ، هي الحلقة الأخيرة: حلقة التحدي الأخير ، بعد الإنذار الطويل والتذكير الطويل والتكذيب الطويل. ولا يذكر في هذه الحلقة موضوع السفينة ولا من ركب فيها ولا الطوفان ، ولا التفصيلات في تلك الحلقة ، لأن الهدف هو إبراز التحدي والاستعانة بالله وحده ، ونجاة الرسول ومن معه وهم قلة ، وهلاك المكذبين له وهم كثرة وقوة. لذلك يختصر السياق هنا تفصيلات القصة إلى حلقة واحدة. ويختصر تفصيلات الحلقة الواحدة إلى نتائجها الأخيرة ، لأن هذا هو مقتضى السياق في هذا الموضع.
{واتل عليهم نبأ نوح ، إذ قال لقومه: يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت فأجمعوا أمركم وشركاءكم ، ثم لا يكن أمركم عليكم غمة. ثم اقضوا إلي ولا تنظرون} ..
إن كان الأمر قد بلغ منكم مبلغ الضيق ، فلم تعودوا تتحملون بقائي فيكم ودعوتي لكم ؛ وتذكيري لكم بآيات الله. فأنتم وما تريدون. وأنا ماض في طريقي لا أعتمد إلا على الله:
{فعلى الله توكلت} ..
عليه وحده فهو حسبي دون النصراء والأولياء.
{فأجمعوا أمركم وشركاءكم} ..
وتدبروا مصادر أمركم وموارده ، وخذوا أهبتكم متضامنين:
{ثم لا يكن أمركم عليكم غمة} ..
بل ليكن الموقف واضحاً في نفوسكم ، وما تعتزمونه مقرراً لا لبس فيه ولا غموض ، ولا تردد فيه ولا رجعة.
{ثم اقضوا إلي} ..
فنفذوا ما اعتزمتم بشأني وما دبرتم ، بعد الروية ووزن الأمور كلها والتصميم الذي لا تردد فيه..
{ولا تنظرون} ..
ولا تمهلوني للأهبة والاستعداد ، فكل استعدادي ، هو اعتمادي على الله وحده دون سواه.
إنه التحدي الصريح المثير ، الذي لا يقوله القائل إلا وهو مالئ يديه من قوته ، واثق كل الوثوق من عدته ، حتى ليغري خصومه بنفسه ، ويحرضهم بمثيرات القول على أن يهاجموه! فماذا كان وراء نوح من القوة والعدة؟ وماذا كان معه من قوى الأرض جميعاً؟