واستمر السياق بتكليف جديد: أن يقص عليهم - صلى الله عليه وسلم - نبأ نوح فيما يختص بتحديه لقومه ثم ما كان من نجاته ومن آمنوا معه واستخلافهم في الأرض ، وهلاك المكذبين وهم أقوى وأكثر عدداً.
والمناسبة ظاهرة لإيراد هذا القصص بالنسبة لسياق السورة ، وبالنسبة لهذه المعاني القريبة قبلها. والقصص في القرآن يجيء في السياق ليؤدي وظيفة فيه ؛ ويتكرر في المواضع المختلفة بأساليب تتفق مع مواضعه من السياق ، والحلقات التي تعرض منه في موضع تفي بحاجة ذلك الموضع ، وقد يعرض غيرها من القصة الواحدة في موضع آخر ، لأن هذا الموضع تناسبه حلقة أخرى من القصة. وسنرى فيما يعرض من قصتي نوح وموسى ويونس هنا وفي طريقة العرض مناسبة ذلك لموقف المشركين في مكة من النبي - صلى الله عليه وسلم - والقلة المؤمنة معه ، واعتزاز هذه القلة المؤمنة بإيمانها في وجه الكثرة والقوة والسلطان. كما سنجد المناسبة بين القصص والتعقيبات التي تتخلله وتتلوه.
واتل عليهم نبأ نوح ، إذ قال لقومه: يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت ، فأجمعوا أمركم وشركاءكم ، ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ، ثم اقضوا إليّ ولا تنظرون.
فإن توليتم فما سألتكم من أجر. إن أجري إلا على الله ، وأمرت أن أكون من المسلمين. فكذبوه فنجيناه ومن معه في الفلك ، وجعلناهم خلائف ، وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا ، فانظر كيف كان عاقبة المنذرين..