إنّ كلامَ الخالقِ سبحانه عن أسرارِ خلْقِه في الآفاقِ وفي الأنفسِ غيبٌ قبْل أن يُرِيَنَا اللهُ حقائقَ تلك الأسرارِ، ولا طريقَ لمعرفةِ كيفياتها وتفاصيلِها قبلَ رؤيتِها، إلاَ ما سمعْنَا عن طريقِ الوحيِ، وكان السلفُّ لا يتكلَّفون ما لا علمَ لهم به.
إنّ معانيَ الآيات المتعلِّقةِ بالأمورِ الغيبيةِ، ودِلالتَها اللغويةَ معلومةٌ، ولكنّ الكيفيَّاتِ والتفاصيلَ محجوبةٌ، وإنّ مَن وَصَفَ حقائقَ الوحيِ الكونيةَ بدقائِقها وتفاصيلِها بعدَ أنْ كشَفها الله وجلاّها للأعينِ غيْرُ مَن وَصَفها مِن خلالِ نصٍّ يسمعُهُ، ولا يَرَى مدلولَه الواقعيَّ، لأنّ وصفَ من سَمع وشاهَدَ غيرُ مَن سَمِعَ فقط.
ولقد وُفِّقَ السلفُ الصالحُ من المفسِّرين كثيراً في شرحِهم لمعنى الآياتِ القرآنيةِ على الرّغم من احتجابِ حقائِقها الكونيةِ، مع أنّ المفسِّرَ الذي يَصفُ حقائقَ وكيفيَّاتِ الآياتِ الكونيةِ في الآفاقِ والأنفسِ، وهي محجوبةٌ عن الرؤيةِ في عصرِه، قياساً على ما يَرَى من المخلوقاتِ، وفي ضوءِ ما سمعَ مِنَ الوحيِ، يختلفُ عن المفسِّرِ الذي كُشِفتْ أمامه الآيةُ الكونيةُ، فجمعَ بين ما سَمع من الوحيِ، وما شاهدَ في الواقعِ.