في ذلك معنى غير هذا قيل قال العلامة من عادة العرب إذا مدحت شَيْئًا أن تضيفه إلَى
الصدق تقول: رجل صدق وقدم صدق وقال تَعَالَى: (مدخل صدق) و (مخرج صدق)
إذا كان كاملًا في صفة صالحًا للغرض المطلوب منه كأنهم لاحظوا أن كل ما
يظن به فهو صادق، ولذا فسره بقوله صالحًا مرضيًا انتهى. فإطلاق الصدق عَلَى غير الحكم
باعْتبَار أَن كل حكم من الأحكام اللائقة به يظن به ويدعي فهو صادق في نفس الأمر فيكون
من إطلاق حال المتعلِّق بكسر اللام عَلَى المتعلَّق بفتح اللام ولا يبعد أن يقال: إن هذا معنى
آخر للصدق فحِينَئِذٍ لا حاجة إلَى التوجيه الْمَذْكُور. وفي بَني إسْرَائيلَ قولان للمُفَسّرينَ: قيل هم
الَّذينَ في زمن مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فالمبوأ عَلَى هذا الْمُرَاد به الشام ومصر وهذا هُوَ الْمُخْتَار
فإنه حِينَئِذٍ يتضح ارتباط هذا الْكَلَام بما قبله ولإهلاك أعدائهم كما أشرنا إليه لكن لو اكتفى
بقوله وهو مصر لكان أصل بما قبله لأن بَني إسْرَائيلَ لم يدخلوا الشام في حياة مُوسَى عليه
السلام عَلَى ما قيل فيحتاج إلَى التعميم إلَى أبنائهم وهو تكلف، إلا أن يقال المن عَلَى الأبناء
مَنٌّ عَلَى الآباء وكذا تجد في أكثر مواضع الْقُرْآن الكريم نسبة ما للآباء إلَى الأبناء، ثم لم
يلتفت إلَى الْقَوْل بأن بَني إسْرَائيلَ لم يعودوا إلَى [مصر] بعد مهلك فرعون وقد نقله بصيغة
التمريض في سورة الدخان.
قوله: (من اللذائذ) فسرها بها لأن الطيب قد يطلق عَلَى الحلال لذيذًا أولا ولا
يناسب هنا.
قوله: (فما اختلفوا في أمر دينهم) هذا القيد مُسْتَفَاد مما بعده والفاء للتعقيب لا
للسببية أي اختلفوا في أمر دينهم عقيب الإحسان في مقابلة الشكران، وتعقيب كل شيء بما
يليق به، ولو قيل إنهم لما فعلوا ذلك كأنهم جعلوا النعم الْمَذْكُورة سببًا للاخْتلَاف الْمَذْكُور
كما مَرَّ في توجيه قَوْلُه تَعَالَى: (ربنا ليضلوا عن سبيلك) عَلَى تقدير.
قوله: (إلا من بعد ما قرءوا التَّوْرَاة) أَشَارَ إلَى أن مجيء العلم مجاز عن ذلك وقراءة
التَّوْرَاة وظيفة أحبارهم لكن الأسافل الجهلة تابعون لهم (وعلموا أحكامها) .
قوله: (أو في أمر محمد - صلى الله عليه وسلم - بنعوته وتظَاهر معجزاته) عطف عَلَى أمر دينهم.
قوله: (لا من بعد ما علموا صدقه) فحِينَئِذٍ الْمُرَاد ببني إسْرَائيل في النظم الجليل هم
الَّذينَ في عهد نبينا عَلَيْهِ السَّلَامُ، وهذا هُوَ الْقَوْل الثاني في بَني إسْرَائيلَ، والْمُرَاد بالمبوأ
أطراف المدينة إلَى جهة الشام، ولما كان هذا الاحتمال ضعيفًا فإنه حِينَئِذٍ لا يظهر وجه
ارتباطه إلَى قصة فرعون وهلاكه لم يتعرض فيما سبق إلَى بيان كون الْمُرَاد بالمبوأ أطراف
المدينة، ولما كان الْمُرَاد بالعلم علم صدقه عليه السَّلام بنعوته وتظَاهر معجزاته عم الْكَلَام
إلى أحبارهم وجهلتهم السفلة بلا تمحل.
قوله: ( [فيميز] المحق من المبطل بالإِنجاء والإهلاك) ينتظم كلا الاحتمالين في بني
إسرائيل.