إذن: فالعقل أراده الله سبحانه لنا ليحجزنا عن الانطلاق والفوضى في تحقيق شهوات النفس ؛ لأنه سبحانه قد خلق النفس البشرية ، ويعلم أنها تحب الشهوات العاجلة ، فأراد سبحانه للإنسان أن يكبح جماح تلك الشهوات بالعقل .
فحين يفكر الإنسان في تحقيق الشهوة العاجلة ، يجد عقله وهو يهمس له: إنك ستستمتع بالشهوة العاجلة دقائق ، وأنت قد تأخذها من غيرك ؛ من محارمه أو من ماله ، فهل تسمح لغيرك أن يأخذ شهوته العاجلة منك؟
إذن: عليك أن تعلم أن العقل إنما أراده الله سبحانه لك ليعقلك عن الحركة التي فيها هَوى ، وتحقق بها شهوة ليست لك ، ومغبَّتها متعبة .
ويخطئ مَنْ يظن أن العقل يفتح الباب أمام الانطلاق اللا مسئول باسم الحرية ، ونقول لمن يظن مثل هذا الظن: إن العقل هو مَنَاطُ التكليف ، وهو الذي يوضِّح لك آفاق المسئولية في كل سلوك .
ومن عدالة الحق سبحانه أنه لم يكلِّف المجنون ؛ لأن حكم المجنون على الأشياء والأفعال هو حكم غير طبيعي ؛ لأنه يفتقد آلة الاختيار بين البدائل .
وكذلك لم يكلف الله سبحانه مَنْ لي ينضج بالبلوغ ؛ لأنه غير مُسْتوفٍ للمَلَكات ، ولم تستوِ لديه القدرة على إنجاب مثيل له .
وقد ضربنا من قبل المثل بالثمرة ، وقلنا: إنه لا يقال إن الثمرة نضجت وصار طَعْمها مقبولاً مستساغاً إلا إذا أصبحت البذرة التي فيها قادرة على أن تنبت منها شجرة إن زرعناها في الأرض .
وأنت مثلاً حين تقطع البطيخة ، وتجد لُبَّها أبيض اللون فأنت لا تأكلها ، وتحرص على أن تأكل البطيخة ذات البذر الذي صار أسود اللون ؛ لأنه دليل نُضْج البطيخة ، وأنت حين تأخذ هذا اللبَّ وتزرعه ينتح لك بطيخاً .
إذن: فاكتمال الإنسان بالبلوغ يتيج لعقله أن يَزِنَ السلوك قبل الإقدام عليه ، والتكليف إنما يكون للعاقل البالغ غير المكرة بقوةٍ تقهره على أن يفعل ما لا يعقله .
أما قبل البلوغ فالتكليف ليس من الله ، بل من الأسرة ، لتدربه على الطاعة .