قوله: {آمَنتُ أَنَّهُ} قرأ الأخَوان بكسر إنَّ وفيها أوجه ، أحدها: أنها استئنافُ إخبار ، فلذلك كُسِرت لوقوعِها ابتداءَ كلام . والثاني: أنه على إضمار القول أي: فقال إنه ، ويكون هذا القولُ مفسراً لقوله آمنت . والثالث: أن تكون هذه الجملةُ بدلاً من قوله:"آمنت"، وإبدالُ الجملةِ الاسمية من الفعلية جائزٌ لأنها في معناها ، وحينئذ تكون مكسورةً لأنها محكيَّة ب"قال"هذا الظاهر . والرابع: أن"آمنتُ"ضُمِّن معنى القول لأنه قولٌ . وقال الزمخشري:"كَرَّر المخذولُ المعنى الواحدَ ثلاثَ مرات في ثلاث عبارات حِرْصاً على القبول"يعني أنه قال:"آمنتُ"، فهذه مرة ، وقال: {أَنَّهُ لا إله إِلاَّ الذي آمَنَتْ بِهِ بنوا إِسْرَائِيلَ} فهذه ثانيةٌ ، وقال: {وَأَنَاْ مِنَ المسلمين} فهذه ثالثةٌ ، والمعنى واحد"وهذا جنوحٌ منه إلى الاستئنافِ في"إنه"."
وقرأ الباقون بفتحِها وفيها أوجهٌ أيضاً ، أحدُها: أنها في محلِّ نصب على المفعولِ به أي: آمَنْتُ توحيدَ ، لأنه بمعنى صدَّقْتُ . الثاني: أنها في موضع نصبٍ بعد إسقاط الجارِّ أي: لأنه . الثالث: أنها في محل جر بذلك الجارِّ وقد عَرَفْتَ ما فيه من الخلاف .
{فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آَيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آَيَاتِنَا لَغَافِلُونَ (92) }
قوله تعالى: {الآنَ} : منصوبٌ بمحذوفٍ أي: آمنْتَ الآن ، أو/ أتؤمن الآن . وقوله:"وقد عَصَيْتَ"جملةٌ حالية ، وقد تقدَّم نظيرُ ذلك قريباً .
قوله: {بِبَدَنِكَ} فيه وجهان ، أحدُهما: أنها باءُ المصاحبةِ بمعنى مصاحباً لبدنك وهي الدِّرْع ، وفي التفسير: لم يُصَدِّقوا بغرقه ، وكانت له دِرْعُ تُعْرَفُ فأُلقي بنَجْوة من الأرض وعليه دِرْعُه ليعرفوه ، والعربُ تطلِقُ البدنَ على الدرع ، قال عمرو بن معد يكرب: