وقوله تعالى: {لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً} ، قال أبو الهيثم: أي مبهمًا، من قولهم غُم علينا الهلال فهو مغموم: إذا التبس، قال طرفة:
لعمرك ما أمري عليّ بغمة ... نهاري ولا ليلي عليّ بسرمد
وقال الليث: إنه لفي غمة من أمره: إذا لم يهتد له.
قال الزجاج: أي ليكن أمركم[ظاهرًا منكشفًا.
وذكر صاحب النظم أن قوله: (ثم لا يكن أمركم]عليكم غمة) يجوز أن يكون نهيًا على غير المواجهة كما ذكره الزجاج، والنهي في الظاهر واقع على الأمر، ولكن المراد به صاحب الأمر كما قال: {وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ} [الكهف: 28] النهي واقع على العينين، ولكنه لما خاطب صاحب العينين حسن ذلك.
قال: وقد قيل: إن (ثم) هاهنا زائدة، وحروف النسق قد تزاد في أضعاف الكلام مثل قوله: (كالأعمى والأصم والبصير والسميع) [هود: 24] .
وقد ذكرنا هذا في الواو التي تكرر في النعوت، نحو قوله:
إلى الملك القرم وابن الهمام
وكقوله تعالى: {إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا} [الزمر: 73] ، وزيادة الفاء ذكرناها أيضًا في مواضع، ومنها [قوله: {إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا} إلى قوله: {فَلَهُمْ} [البروج: 10] فالفاء زيادة، وكذلك قوله: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ} [الحج: 57] ، ومثله قوله: {وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا} إلى قوله تعالى: {ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ} [التوبة: 118] ، و (حتى) لا يقتضي (ثم) في جوابه، وكذلك قوله: {ثُمَّ لَا يَكُنْ} فيكون تأويله: فأجمعوا أمركم وشركاءكم لا يكن أمركم عليكم إذا فعلتم ذلك غمة، فيكون جزمه على جواب الأمر.
وقوله تعالى: {ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ} قال مجاهد: اقضوا إليّ ما في أنفسكم.
قال ابن الأنباري: معناه: ثم امضوا إليّ بمكروهكم وما توعدونني به، كما تقول العرب: قد قضى فلان، يريدون مات ومضى، وهذا معنى قول الفراء، وقال الزجاج: ثم افعلوا ما تريدون.