نقول: إن الأصل في وجود هذه الحيوانات وتلك الطيور أنها مُسخَّرة لخدمة الإنسان ، وكان لا بد أن توجد في السفينة ؛ لأنها ككائنات مسخّرة تسبِّح الله ، وتعبد الحق سبحانه ، فكيف يكون علمها فوق علم العقلاء الذين كفرو بعضهم ، ثم أليس من الكائنات المسخَّرة ذلك الغراب الذي علَّم"قابيل"كيف يواري سوأة أخيه؟! إنه طائر ، لكنه علم ما لم يعلمه الإنسان!
والحق سبحانه هو القائل:
{فَبَعَثَ الله غُرَاباً يَبْحَثُ فِي الأرض لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ} [المائدة: 31] .
ثم يقول الحق سبحانه في الآية التي نحن بصددها الآن:
{فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فِي الفلك وَجَعَلْنَاهُمْ خَلاَئِفَ وَأَغْرَقْنَا الذين كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فانظر كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المنذرين} [يونس: 73] .
وكلمة"الفُلْك"من الألفاظ التي تطلق على المفرد ، وتطلق على الجماعة .
وقول الحق سبحانه: {فَنَجَّيْنَاهُ} نعلم منه أن الفعل من الله تعالى ، وهو سبحانه حين يتحدث عن أي فعل له ، فالكلام عن الفعل يأتي مثل قوله سبحانه:
{إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9] .
ولكنه حين يتحدث عن ذاته ، فهو يأتي بكلمة تؤكد الوحدانية وتكون بضمير الإفراد مثل: {إنني أَنَا الله} [طه: 14] .
وهنا يقول الحق سبحانه:
{فَنَجَّيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فِي الفلك} [يونس: 73] .
كلمة"أنجى"للتعددية ، وكلمة"نَجَّى"تدل على أن هناك معالجة شديدة للإنجاء ، وعلى أن الفعل يتكرر .
وقول الحق سبحانه:
{وَجَعَلْنَاهُمْ خَلاَئِفَ} [يونس: 73] .
تعني: أن الخليفة هو من يجيء بعد سابق ، وكلمة"الخليفة"تأتي مرة للأعلى ، مثل الحال هنا حيث جعل الصالح خليفة للصالح ، فبعد أن أنجى الله سبحانه العناصر المؤمنة في السفينة ، أغرق الباقين .