يقال: ذكرته أمراً نسيه ، فتعديته بالباء لتأكيد التعدية كقوله تعالى: {وذكرهم بأيام الله} [إبراهيم: 5] ، وقول مسور بن زيادةَ الحارثي:
أذَكَّر بالبقيا على من أصابني
وبقياي أني جاهد غير مؤتلي...
ولذلك قالوا في قوله تعالى: {وامسحوا برؤوسكم} [المائدة: 6] أن الباء لتأكيد اللصوق أي لصوق الفعل بمفعوله.
وآيات الله: دلائل فضله عليهم ، ودلائل وحدانيته ، لأنهم لما أشركوا بالله فقد نسوا تلك الدلائل ، فكان يذكرهم بها ، وذلك يُبرمهم ويحرجهم.
وجملة: {فعلى الله توكلت} جواب شرط {إن كان كبُر عليكم مقامي} باعتبار أن ذلك الشرط تضمن أن إنكاره عليهم قد بلغ من نفوسهم ما لا طاقة لهم بحمله ، وأنهم متهيئون لمدافعته فأنبأهم أن احتمال صدور الدفاع منهم ، وهم في كثرة ومنعَة وهو في قلة وضعف ، لا يصُده عن استمرار الدعوة ، وأنه وإن كان بينهم وحيداً فذلك يوهنه لأنه متوكل على الله.
ولأجل هذا قدم المجرور على عامله في قوله: {فعلى الله توكلت} أي لا على غيره.
والتوكل: التعويل على من يدبر أمره.
وقد مر عند قوله: {فإذا عزمت فتوكل على الله} في سورة [آل عمران: 159] .
والفاء في فأجمعوا أمركم للتفريع على جملة {على الله توكلت} فللجملة المفرعة حكم جواب الشرط لأنها مفرعة على جملة الجواب ، ألا ترى أنه لولا قصده المبادرة بإعلامهم أنه غير مكترث بمناواتهم لكان مقتضى ظاهر الكلام أن يقول: إن كان كبُر عليكم مقامي الخ ، فأجمعوا أمركم فإني على الله توكلت ، كما قال هود لقومه {فكيدوني جميعاً ثم لا تنظرون إني توكلت على الله ربي وربكم} [هود: 55 ، 56] .
وإجماع الأمر: العزم على الفعل بعد التردد بين فِعله وفعل ضده.
وهوَ مأخوذ من الجمع الذي هو ضد التفريق ، لأن المتردد في ماذا يعمله تكون عنده أشياء متفرقة فهو يتدبر ويتأمل فإذا استقر رأيه على شيء منها فقد جَمَع ما كان متفرقاً.