والفائدة في إنزال هذه الآية على الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن تكثير الدلائل وتقويتها مما يزيد في قوة اليقين وطمأنينة النفس وسكون الصدر، ولهذا السبب أكثر الله في كتابه من تقرير دلائل التوحيد والنبوة.
الوجه الخامس: أن المقصود من ذكر هذا الكلام استمالة قلوب الكفار وتقريبهم من قبول الإيمان، وذلك لأنهم طالبوه مرة بعد أخرى، بما يدل على صحة نبوته وكأنهم استحيوا من تلك المعاودات والمطالبات، وذلك الاستحياء صار مانعًا لهم عن قبول الإيمان، فقال تعالى: {فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ} من نبوتك فتمسك بالدلائل القلائل، يعني أولى الناس بأن لا يشك في نبوته هو نفسه، ثم مع هذا إن طلب هو من نفسه دليلًا على نبوته هو نفسه بعد ما سبق من الدلائل الباهرة والبينات القاهرة فإنه ليس فيه عيب، ولا يحصل بسببه نقصان فإذا لم يستقبح منه ذلك في حق نفسه فلأن لا يستقبح من غيره طلب الدلائل كان أولى.
فثبت أن المقصود بهذا الكلام استمالة القوم وإزالة الحياء عنهم في تكثير المناظرات.
الوجه السادس: أن الشك في الآية ضيق الصدر؛ أي: إن ضاق صدرك بكفر هؤلاء فاصبر، واسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك يخبروك صبر الأنبياء من قبلك على أذى قومهم وكيف عاقبة أمرهم. والشك في اللغة أصله الضيق، يقال: شك الثوب أي: ضمه بخلال حتى يصير كالوعاء، وكذلك السفرة تمد علائقها حتى تنقبض، فالشك يقبض الصدر، ويضمه حتى يضيق.
الوجه السابع: هو أن لفظ (إن) في قوله: {فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ} للنفي أي: ما كنت في شك قبل، يعني: لا نأمرك بالسؤال لأنك شاك، لكن لتزداد يقينًا كما ازداد إبراهيم - عليه السلام - بمعاينة إحياء الموتى يقينًا.
الوجه الثامن: أنه كنى بالشك عن العجب أي: فإن كنت في تعجب من عناد فرعون، ومناسبة المجاز أن التعجب فيه تردد، كما أن الشك تردد بين أمرين.